مؤسسة الأرض المقدسة هولي لاند: سد إذا انهار انجرف كثيرون بمائه

 

ابحث في الصفحة
=============

 

بعد جلسات ومرافعات وشهادات مضنية استمرت قرابة الشهرين، تحول أخيرا ملف قضية مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية (هولي لاند فونديشين) إلى المحلفين لإصدار حكمهم في هذه القضية الشائكة، والتي تقول الحكومة إنها تمثل أكبر قضية تمويل للإرهاب في تاريخ الولايات المتحدة، فيما يصر الدفاع ومؤيدو العمل الخيري على أنها تكشف عن "هلوسة" الحكومة عندما يتعلق الأمر بالعمل الإغاثي الإسلامي، خصوصا منه ذلك الموجه إلى الشعب الفلسطيني.
يوم الأربعاء (19/9) كان آخر أيام المرافعات الختامية، ويوم الخميس (20/9) كان أول أيام بدأ مداولات المحلفين لإصدار حكم في القضية. باختصار، الحكومة زعمت أن مؤسسة الأرض المقدسة قدمت 12 مليون دولارا من المساعدات المالية لحركة حماس، المصنفة أمريكيا على أنها إرهابية. وعلى الرغم من إقرار الحكومة، أنه لا يوجد دليل على أن دولارا واحدا من هذه 12 مليون دولارا ذهبت للجناح العسكري لحماس، إلا أن شاهدها الذي يدعي الخبرة بـ"الإرهاب الإسلامي"، ماثيو ليفيت، أتى لها بتخريجة اسمها "الجهاد الاقتصادي". بمعنى، أن مؤسسة الأرض المقدسة كانت تدعم "الجناح الاجتماعي" لحركة حماس، والذي يعنى كما تقول الحكومة، في جانب منه، برعاية أسر الشهداء والمصابين والأسرى. وأضاف ليفيت لهذه التوليفة الحكومية توليفة أخرى، ألا وهي أن مؤسسة الأرض المقدسة بدعمها لما يسمى "الجناح الاجتماعي" لحركة حماس، فإنها تكون بذلك قد ساعدت الحركة على توجيه مواردها الأخرى نحو العمل العسكري!!.
ولكن من أين جاءت حكاية دعم "الجناح الاجتماعي" لحركة حماس. هذه بذاتها حكاية عجيبة. الحكومة تقول بأن مؤسسة الأرض المقدسة كانت تقدم مساعداتها عبر لجان الزكاة الفلسطينية. وتمضي الحكومة لتزعم، أن هذه اللجان خاضعة لنفوذ حركة حماس في الأراضي الفلسطينية. ولتعضيد هذه الرواية، جاءت الحكومة بعميل مخابرات إسرائيلي من جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي المعروف باسم "شين بيت" ليؤكد أن هذه اللجان خاضعة لسيطرة ونفوذ حماس. المشكلة أن هذا الشاهد بقي مجهول الهوية حتى اليوم!! فالحكومة الإسرائيلية اشترطت أن تحمى هويات عملائها، وهكذا كان على مؤسسة الأرض المقدسة، والمتهمين في قضيتها ودفاعهم، أن يصارعوا ضد شهادة مجهولة المصدر والأدلة، والأغرب أنها قادمة من دولة أجنبية ضد مواطنين أمريكيين أو مقيمين شرعيين في هذه البلد، بل ولها خصومة مع الشعب الذي ينحدرون من أصوله!!.
الدفاع، بنى قضيته، على أن مؤسسة الأرض المقدسة ومسؤوليها، لم يقوموا بأكثر من الانخراط في عمل إغاثي مشروع لشعب مزقته الحروب وفقره الاحتلال وشرده الظلم. ولم ينكر الدفاع أنه قد يكون لدى بعض مسؤولي المؤسسة آراء سياسية معينة، ولكن هذه الآراء محمية بالتعديل الدستوري الأول، والذي يعطي لكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه. المهم أنه لا يوجد دليل واحد، حاسم وجازم، يقول أن مؤسسة الأرض المقدسة كان تخص بدعمها تيارا معينا على حساب بقية الشعب الفلسطيني. بل إن الادعاء نفسه لا ينكر حقيقة أن جلّ ومعظم التبرعات التي أوصلتها مؤسسة الأرض المقدسة ذهبت لصالح أناس فقراء ومحتاجين لا علاقة لهم بهذا التيار أو تلك الحركة.
وعودة مرة أخرى، إلى حجر زاوية قضية الحكومة ضد مؤسسة الأرض المقدسة، ألا وهي العلاقة مع لجان الزكاة في فلسطين، والتي يصر "المجهول إيفي" أنها خاضعة لنفوذ حركة حماس. فإذا كان شاهد الحكومة عميل إسرائيلي مجهول الهوية، وهو في كل الأحوال خصم لا لمؤسسة الأرض المقدسة فحسب، ولا حتى للشعب الفلسطيني فقط، بل للشرعية الدولية ومواثيق الأمم المتحدة، جراء احتلال دولته غير الشرعي للضفة الغربية وقطاع غزة، وتشريد الشعب الفلسطيني الأعزل.. الخ، فإن شاهد الدفاع شخصية أكثر صدقية وحرفية وإطلاعا. شخصية لم تخش من كشف هويتها ولم تتورط في خصومة مع أي من الطرفين: الدولة العبرية والفلسطينيين. الشاهد المقصود هنا هو: السيد إدوارد إبينغتون، والذي كان القنصل العام الأمريكي في القدس فضلا عن كونه الرجل الثاني في الاستخبارات التابعة للخارجية الأمريكية في فترة التسعينيات. السيد إبينغتون، أكد أنه بحكم موقعه الاستخباراتي، كان يتلقى تقارير يومية من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)، وبأن الوكالة لم تذكر، ولو لمرة واحدة، أن لجان الزكاة هذه تخضع لنفوذ حماس أو أنها تحت سيطرتها. ويقول بأنه لو كان ثمة شكوك حول هذا الأمر لكان أطلع عليها قطعا، وذلك بحكم عمله واتصالاته. هل هذا هو كل شيء؟ كلا! فبعض الوكالات الحكومية الأمريكية نفسها، سبق وأن قدمت مساعدات إغاثية للشعب الفلسطيني عبر هذه اللجان، فهل نتهمها أيضا بممارسة "الجهاد الاقتصادي" لتفريغ موارد حركة حماس الأخرى لكي تذهب للجناح العسكري!؟ أبعد من ذلك وأغرب، أن لجان الزكاة هذه لا زالت وإلى اليوم خارج قائمة المنظمات المعتبرة أمريكيا إرهابية، وذلك على الرغم من أن الحكومة صنفت حماس كحركة إرهابية عام 1995، وتحاكم المؤسسة ومسؤوليها، في جزء كبير من القضية، بأثر رجعي عن ما قبل تلك الفترة وحتى عام 1995!!
ما الذي يعنيه كل ذلك؟
نحن كجالية عربية ومسلمة خبرنا عمل مؤسسة الأرض المقدسة، وخبرنا مصداقية وحرفية مسؤوليها. مؤسسة الأرض المقدسة لم تكن أكثر من تعبير عن حالة التعاطف الكبير الذي تلقاه القضية الفلسطينية العادلة والشعب الفلسطيني المنكوب في صفوف جالياتنا. لهذا كانت مؤسسة الأرض المقدسة هي أكبر المؤسسات الإسلامية الإغاثية على الإطلاق حتى تاريخ إغلاقها في ديسمبر 2001. الجالية لم تكن تدعم حماس ولا فتح ولا الجهاد ولا الشعبية ولا الديمقراطية... الخ.... الجالية كانت تقدم عونا إغاثيا وخيريا لكل أبناء الشعب الفلسطيني بغض النظر عن توجهاتهم وانتماءاتهم. لا الدين ولا القانون يقولان ويرضيان بتجويع عائلة لأن معيلها انتمى يوما لهذا التيار أو ذاك. نعم ثمة فرق قانونيا أن يوجه الدعم لعائلة بعينها لأنها مقربة من تيار أو فصيل معين، وبين أن يدعم كل الفقراء بغض النظر عن توجهاتهم السياسية والفكرية ما دام أنهم لم يستخدموا هذا الدعم في أفعال غير جائزة حسب القانون الأمريكي، البلد التي أتى منها المال.
أما حكاية أن مسؤولي المؤسسة منتمون لحركة حماس أو مقربون منها، فهذه حكاية قد عفا عليها الزمن. فأن تكون فلسطينيا متمسكا بتعاليم دينك لا يعني أنك أصبحت تلقائيا عضوا في حركة حماس أو الجهاد الإسلامي. وأن يكون للمرء رؤى مناهضة لأسس العملية السلمية في المنطقة واشتراطاتها وسياقاتها لا يجعل منه منتميا تنظيميا. هذا هراء. فالشعب الفلسطيني من أكثر شعوب العالم تسيسا، لا لأنه شعب مميز، وإنما لأنه شعب مضطهد ومشرد ومسلوبة حقوقه، وأهمها حق تقرير المصير والعيش على أرضه بكرامة. الحقوق في السياق الفلسطيني هي حقوق شخصية وجماعية، لا جماعية فحسب. وبالتالي فإن من يرفض العملية السلمية لأنها لا تعيد له حقوقه الشخصية لا يحتاج أن يكون عضوا في "جبهة الرفض"، بل هو في "جبهة الحقوق المشروعة". وفي ذات السياق، أن يكون بعض مسؤولي المؤسسة قد عبروا عن معارضتهم لاتفاق أوسلو أمر لا يدينهم بشيء، بل إنه يدين من يحاكمهم على هذه الأرضية ذلك أنه يتعدى على التعديل الدستوري الأول، والذي يضمن حرية التعبير.
لعله من المفيد أن نتذكر هنا أن مؤسسة الأرض المقدسة خضعت لسنوات طويلة من التحقيق منذ منتصف التسعينيات وحتى هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية عام 2001، ولم تؤد تلك التحقيقات إلى أي إدانة أو شكوك حول المؤسسة وعملها. ولم تغلق المؤسسة إلا بعد الهجمات الإرهابية، وبقرار رئاسي تنفيذي لا قضائي قائم على أسس قانونية. نفهم أن هجمات سبتمبر الإرهابية مثلت صدمة للوعي والأمن الأمريكيين، ونحن كجالية مسلمة أمريكية كنا ضحية كغيرنا ولم نستثن في تلك الهجمات الحمقاء التي لم تفرق بين مسلم وغير مسلم. ولكن بعض الأجهزة الحكومية الأمنية وبتحريض من بعض اللوبيات، أرادت أن تطمس حقيقة كوننا شركاء في المصيبة التي حلت بهذه البلد عام 2001، وسعت بنجاح يسجل لها على أن تقدمنا على أننا مشكلة "أمنية" ينبغي التعامل معها على هذا الأساس. ومن هنا جاءت هذه الهجمة الشرسة والهوجاء على العمل الإسلامي القانوني في أمريكا، وكان من ضمن ضحايا تلك الهجمة العشوائية الظالمة استهداف "فريضة الزكاة" في الإسلام وترويع القائمين عليها وحمل مؤديها على التفكير ألف مرة قبل أن يجرأ على إخراجها حتى ولو كانت لمؤسسة قانونية مرخصة من قبل الحكومة الأمريكية. طبعا ولأن فلسطين هي قضية هذه الأمة المركزية، ولأن لوبي إسرائيل والمتحالفين معه في هذه البلد لا يروق لهم الانجازات التي تحققها الجالية الأمريكية المسلمة على طريق ترسيخ مواطنتها ومشاركتها الفعالة في هذه البلد، فقد كانت المؤسسات التي تقدم الدعم للقضية الفلسطينية العادلة، هي المستهدف الأول بالطمس والسحق. إنها خطوة في سياق ممتد لشطب الحقوق الفلسطينية المشروعة.
وعودة إلى قضية مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية. فهذه السطور قد لا تصل القراء إلا وقد يكون الحكم قد صدر في القضية. ونحن إذ نسأل الله عز وجل أن يكتب للمؤسسة ومسؤوليها البراءة من التهم الموجهة لهم، إلا أننا نُذَكِرُ أنه في كل الأحوال، حتى ولو كان الحكم بالإدانة لا سمح الله، فإن "جريمة" مؤسسة الأرض المقدسة الوحيدة أنها عملت على إطعام وسقاية وكسوة الفقراء والمساكين من أبناء الشعب الفلسطيني المنكوب.
القضية أكبر من ألـ"هولي لاند". إنها قضية الحقوق الدستورية والمدنية للمسلمين في هذه البلد. إنها قضية حرياتنا الدينية والتي يضمنها الدستور لكل من يقيم في هذه البلد. إنها متعلقة بحرية التعبير والتجمع والصحافة، وكل الحريات والحقوق التي يحصنها الدستور الأمريكي، ويريد البعض أن يستثنينا منها. وإذا ما حصل خرق، لا قدر الله، في باب ألـ"هولي لاند" فإنه لن ينغلق بعدها في المدى المنظور. هذه القضية بمثابة سد يمنع الفيضان من جرف حقوقنا، فإذا ما أنهار، فإن القادم، لا سمح الله أكبر. أم تراكم نسيتم تلك القائمة من "الشركاء المتآمرين غير المتهمين" والتي قدمتها الحكومة في هذه القضية بالذات، والتي شملت المؤسسات الإسلامية الأمريكية الرئيسية، من مثل "إسنا" و"كير" وألـ"نيت"، فضلا عن أسماء العشرات من قيادات ورموز هذه الجالية. فإذا ما نجحت الحكومة في هذه القضية، لا قدر الله، فإن مساجدنا والتي هي تحت سقف "إسنا" وألـ"نيت" ستكون حتى هي لربما في دائرة الاستهداف.
نحن نراهن بعد رحمة الله عز وجلّ أولا وأخيرا، على قيم ودستور وحس العدل لدى مواطنينا في هذه البلد، ونرجو أن يكون المحلفون في هذه القضية من أهلها. وحتى ولو انتهت القضية لا سمح الله بإدانة، فإن الأمل سيبقى موجودا بعد الله في الاستئناف. لقد قالت العدالة كلمتها في قضيتي كل من الدكتور سامي العريان، وقضية محمد صلاح والدكتور عبد الحليم الأشقر. ومع أن الأحكام الصادرة في تلكما القضيتين لم تكونا كما كنا نتمنى كليا، ولكن أهم ما حملتاه، هو أنه لا يجوز للحكومة أن تعاقب الناس، خصوصا من الأقليات، لتبنيهم آراء سياسية وإيديولوجية، لا تتوافق مع قناعات وتصورات الغالبية.   
هذه دعوة في هذا الشهر الفضيل، لجميع أبناء الجالية أن يسألوا الله النصر للجالية والعدالة في هذه القضية وأن لا يبخلوا بدعمها، فهي كما سبق القول، بمثابة السد لجاليتنا، فإذا ما انهار انجرف الجميع، لا سمح الله. إخوانكم من الذين عرفناهم خيرين مصلحين: الأخ الشيخ محمد المزين، الأخ الأستاذ غسان العشي، الأخ الأستاذ شكري أبو بكر، الأخ الأستاذ عبد الرحمن عودة، والأخ المهندس مفيد عبد القادر، كلهم بحاجة إلى دعائكم في هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يفرج عنهم وينصر حقوق الجالية وقيم هذه البلد بهم.. اللهم آمين..

 

أسامة أبو رشيد كاتب فلسطيني مقيم في أمريكا

07-10-2007

 

 

 

عودة

 

الصفحة الرئيسية

انتهاكات الجمعيات

انتهاكات العاملين

مكتبة فنية

مواقع صديقة

طلب عضوية

لمراســـــلتنا

 

all rights reserved to international bureau of humanitarian ( I B H )  2004 - 2007 © جميع حقوق النشر محفوظة لموقع المكتب الدولي 

www.humanitarianibh.net          ibh.paris@wanadoo.fr

Tel&Fax: 0033147461988