الترتيبات القانونية في فرنسا وكندا بعد 11 أيلول 2001

إبراهيم تاوتي محامي معتمد لدى المحكمة العليا ومجلس الدولة ورئيس مجلس المحكمة الدولية

ابحث في الصفحة
=============

. المقدمة

 2.الإجراءات المتخذة من قبل فرنسا وكندا

1.2. فرنسا

1.1.2. الإرهاب

القرار-الإطار

تعريف مبهم للإرهاب

المصدر الأممي للتعريف

2.1.2. الإجراءات الاستثنائية للشرطة

الصلاحيات الواسعة للشرطة

الضمانات الأوروبية لعمليات الاعتقال

العدالة الأوروبية والشرطة الأوروبية

العدالة الأوروبية

الشرطة الأوروبية

أ‌)       المعلومات والتحليلات

ب‌)  العمليات المتخذة

3.1.2. قانون اللجوء

 2.2. كندا

1.2.2. الإرهاب

تعريف مبهم للإرهاب

قرينة المسؤولية للشريك "غير المطلع"

قرينة المسؤولية للهيئات الخيرية

 2.2.2. الإجراءات الاستثنائية للشرطة

انتهاك حقوق الدفاع

 3.2.2. قانون اللجوء

 3. محاولات التفسير 

1.3.العولمة وعودة نفوذ شرطة الدول

1.1.3. العولمة الاقتصادية والاحتجاجات

2.1.3. استخدام سلطة الدول

-       على الصعيد المحلي

-       وفي التخطيط الخارجي

2.3. الصراعات المحلية، البؤس والنزوح السكاني

3.3. الهيمنة الأمريكية

 4. المفارقات الحاسمة 

5. الاقتراحات

  1. المقدمة:                

اسمحوا لي أن أبدأ بشكر اللجنة العربية لحقوق الإنسان التي تتيح لنا الفرصة مجددا لمناقشة موضوع هام في المرحلة الراهنة.

انهالت بعد أحداث الحادي عشر من أيلول الكثير من المعلومات والتحليلات من جميع أنحاء العالم وبكل اللغات لتتساءل عما حدث، ولماذا، وماهي النتائج المترتبة على ذلك.

تختص مداخلتي بالشروط القانونية التي تم اتخاذها في الدول الناطقة بالفرنسية بعد هجمات الحادي عشر من أيلول لعام 2001.

إن تركيز النقاش على الصعيد القانوني، وخاصة القانون الدولي، يجعلني أميز التالي:

-     أن ذلك ليس إلا جانبا من جوانب ردود الفعل الدولي.

-      إضافة، فإن قانون المجتمع الدولي في حالة تكون، وغالبا ماتسيطر المصالح المادية وموازين القوى على القانون.    في الحقيقة، تبدو منظومة القانون الدولي مجموعة من القيم المجردة من الالتزام ويحتاج اللجوء إليها لموازين قوى للإمساك بزمام المبادرة على المسرح الدولي، وذلك نتيجة للغموض الذي يكتنف طرق الممارسة القانونية. ويتضح ذلك باعتبار أن جزءا من هذا القانون، أي القانون الجنائي، يتقدم على بقية بنود القانون الدولي. وتنشط العدالة الدولية حاليا على مستويين، وهما حماية "الحيتان الكبيرة" والمجازفة بتشويه مصداقيتها العدلية.

إن المجموعة "الفرانكفونية" الناطقة بالفرنسية والتي تمثل حوالي ثلث دول العالم غير متجانسة. فمعظم الدول الناطقة بالفرنسية تعتبر بلدانا نامية ومنفصلة عن الغرب. لقد تناول الدكتور عبد العزيز النويضي ذلك في موضوعه "النتائج المترتبة للإجراءات الاستثنائية المتخذة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول على الدول النامية". إضافة لذلك، فإن العديد من هذه الدول تحكمها ديكتاتوريات. وقد ذكر البروفسور منصف المرزوقي في صحيفة فرنسية يومية "لوموند" بتاريخ 11، كانون الأول، 2001 مايلخص التناقض الظاهر:

"لم يعد وضع الديكتاتوريات في العالم سهلا بعد أحداث 11 أيلول". لذلك فإنني سوف أقتصر مداخلتي على فرنسا وكندا. ولأن الوقت المتاح لي قصير، أود إتمام مداخلتي بأن اقترح عليكم نصا يتضمن عدة مراجع. سيتم عبر تناول دولتي فرنسا وكندا تلخيص الإجراءات المتخذة من قبل جميع الدول المصطلح عليها بأنها ديمقراطية.

-  بداية، تستخدم هاتين الدولتين منظومتين قانونيتين مختلفتين، أحداهما ذات قانون مدني لاتيني، والأخرى ذات قانون مختلط يضم القانون المدني (ولاية كوبيك) والقانون العرفي البريطاني.

- من ناحية نظرية، تعتبر كندا دولة هجرة ولاتتعلق بأوروبا.

-  أخيرا، تعتبر فرنسا عضوا مؤسسا في الإتحاد الأوروبي بينما تنتمي كندا إلى منظمة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (ألينا). لذا فالاهتمامات الإستراتيجية لهاتان الدولتان مختلفة بينهما.

 نستطيع القول بأن الاختلاف بين فرنسا وكندا هو أقل من بقية الاختلافات بين دول الإتحاد الأوروبي. فأوروبا تضم فعلا فوارق كبيرة كما تتغاير صيغة دساتيرها، ومضامين تشريعاتها الوطنية، وممارساتها القانونية وتقاليدها القضائية. أما فرنسا وكندا فمتقاربتان، وإضافة إلى الفرانكوفونية التي تجمعهما فهما تنضمان إلى مجموعة ال 7 وحلف الناتو، كما تجتمعان منذ سنة 1976 مرتين في العام في إتحاد قمة كندي-أوروبي، وقد عقد المؤتمر الأخير في أوتاوا بتاريخ 19، كانون الأول، 2002.

 سوف يدور موضوعي حول أربعة نقاط: أولا، سأتحدث عن الإجراءات المتخذة، ثانيا، سأحاول شرحها، وذلك يقودنا إلى النقطة الثالثة وملاحظة عدة تمايزات في المعنى، وأخيرا، سأطرح بعض الاقتراحات للمناقشة.

 2. الإجراءات المتخذة من قبل فرنسا وكندا

 1.2. فرنسا

تمت إدانة الإرهاب مبكرا في فرنسا. وقد عرف قانون 9، أيلول، 1986 (المادة 421-1 من القانون الجزائي) الأعمال الإرهابية كالتالي: "جرائم ذات علاقة مع عملية منظمة فردية أو جماعية تهدف إلى إحداث اضطرابات خطرة في النظام العام والقانون عبر التهديد أو الإرهاب". تعتبر هذه الجرائم "موضوعية" ولاتتطلب برهنة الدوافع النفسية للجريمة أو القصد الجنائي. وقد أضاف قانون 22، تموز، 1996 شرط العنصر "القصدي" لتشريع التجريم.

 ركزت فرنسا على الإجراءات الجنائية منذ وقت طويل، في عام 1986، نظرا لضغوط الإرهاب سواء (بالتحقيق، أو المتابعة أوالمحاكمة) عبر إنشاء غرفة تحقيق لدى محكمة باريس، وفيها قضاة اختصاصيون ولا يحوزون على إجماع الحقوقيون. وقد كانت فرنسا الدولة الوحيدة التي لجأت لذلك واستخدمت بنودا استثنائية. ويبدو أن قضاة مكافحة الإرهاب هم أقرب لضباط الشرطة منهم للقضاة. وهم في الواقع "مسيسون".

 يتم منذ زمن بعيد انتقاص الحق العام، وتطغي الإجراءات القانونية الاستثنائية على احترام المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، خصوصا بما يتعلق بحق الدفاع و الدعوى القضائية العادلة.

نشرت الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان عام 1999 تقريرا بينت فيه أن هناك "طيفا واسعا من الانتهاكات لالتزامات فرنسا حسب المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان". وندد التقرير أن " الإدارة مقصرة في تحقيق العدالة التي تهدف للتأثير على الرأي العام لقمع مرتكبي الإرهاب".

 بعد حوادث 11 أيلول، تم اتخاذ إجراءات استثنائية جديدة على مستوى أوروبا والعالم، وهذا مايؤثر مباشرة على القانون الفرنسي.

 1.1.2. الإرهاب

بعد أحداث الحادي عشر من أيلول وقبل أعياد الميلاد لعام 2001 اتخذ المجلس والبرلمان الأوروبيان قرارا-إطارا حول الإرهاب. وقد صدر ملحق النص الأوروبي وبدون صلاحيات قانونية لمحاولة حماية حقوق الإنسان بتعابير مبهمة.

التعريف المبهم للإرهاب

لقد جاء تعريف الجريمة مبهما تماما وشكك من احتمال استخدام مكافحة الإرهاب كذريعة للضغط على أي بادرة، خصوصا الحركات المناهضة للعولمة. وتأتي تصورات عدم الاستقرار وتدمير الاقتصاد أو البنى السياسية لأي دولة تبريرا لمتابعة محاربة الإرهاب. 

طبقا للمادتين 3 و 4 قرار-الإطار المتخذ على المستوى الأوروبي فإنه يتوجب على جميع الدول الأعضاء في الإتحاد معاقبة "الجرائم الإرهابية" وفقا لقانونها الوطني. وبالإضافة إلى الجرائم المعهودة مثل (القتل)، فإن النص يجرم التالي:

-       b الإيذاء الجسدي، (...)

-        H(...) التعريض للخطر سواء الناس، الممتلكات، الحيوانات أو البيئة.

-        iتخريب الشروط الأولية للحياة كالماء، الكهرباء أو أي مصادر رئيسية للعيش. (...)

-        mتشجيع أو دعم أي جماعة إرهابية (...) كما يتحتم العقاب للتحريض، والمساعدات، والاشتراك في الجرم ومحاولة ارتكاب عمل إرهابي".

 إن التركيز على العامل الغير موضوعي (الوهمي) يتيح حسب منطق الشرطة التجريم بالإرهاب لأي شخص يعد "خطرا" لمجرد أنه قد يرتكب جريمة بسبب توجهاته الفكرية أو الدينية. وهكذا تم انتقاء مواطني دول العالم الثالث واستهدافهم، والتحقق من هوياتهم وتضمينهم في قوائم.

 إن التعريف المبهم للإرهاب غالبا مايخضع القاضي تبعا للاعتبارات السياسية للحكومة، كما ويستخدم كوسيلة للضغط على المعارضة السياسية أو لتأمين حصانة للاستمرارية والمتابعة القضائية، وخاصة عندما تكون الدولة التي ينتمي إليها المشتبه به تدعم وتشجع أو تشرع العمل الإرهابي.

 وفي حيز التطبيق، يبقى تعريف الإرهاب سياسيا ومن اختصاص الحكومة (قوات الشرطة، الأمن العسكري وغيره). ولهذا فإن الحكومة، قوات الشرطة، تقرر ماإذا كان الفعل إرهابيا أم لا، وليس القضاء. وإذا كان الهدف من محاربة الإرهاب لايشكل مشكلة فإن الوسائل التي يتم اختيارها تحد من حرية التعبير والتعددية وتستدعي التساؤل حول انفصالها عن ضمانات المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان.

 أصل الأممي للتعريف

لم تتمكن الجمعية العامة للأمم المتحدة من التوصل إلى تسوية حول تعريف الإرهاب. ويتجاوب التعريف الأوروبي نوعا ما مع قرار مجلس الأمن للأمم المتحدة رقم 1373 الذي تضمن مطالبة الدول باتخاذ التدابير اللازمة وتقديم تقرير للجنة المشكلة بهذا القرار عنها. استخدم القرار رقم 1373 تعريفا موسعا للإرهاب. مثال: البند رقم 2 يذكر تعبير "الجريمة الخطرة" وهي لاتحتوي على اي إيضاح موضوعي دقيق لتقدير الفعل الإجرامي. وبهذا فإن مساعدة ضحايا الكوارث الطبيعية يمكن أن يعتبر عملا إرهابيا إذا ماتم محليا في مسرح أحداث الدولة ذاتها عبر منظمة قد توصف بأنها إرهابية. إن حزب المؤتمر الإفريقي الوطني لنيلسون مانديلا الذي حارب ضد التمييز العنصري يمكن أن يعتبر بالتأكيد حسب التعريف المذكور منظمة إرهابية ، مثلما يكون الأمر مع العصيان ضد العدوان الأمريكي الذي حصل في فييتنام، أو حركة مارتن لوثر كينغ أو الماهاتما غاندي.

 2.1.2. إجراءات الشرطة الاستثنائية

 الصلاحيات الواسعة للشرطة:

تعود أسباب إيجاد هذا التجريم بالذات من أجل تبرير الممارسات والقوانين المشتقة من المبادئ التقليدية للإجراءات الجزائية. ويتطلب منظور حقوق الإنسان التمعن في الإجراءات بدلا من مضمونها. وفي الحقيقة فإن تجريم الإرهاب يبرر نفوذ الشرطة والإجراءات الاستثنائية للتحقيق، والحجز القضائي أو الحبس الإداري.

 ومنذ الحادي عشر من أيلول وسعت القرارت التي تبنتها الخمسة عشرة دولة نفوذ الشرطة في كل بلد لتشمل جميع أنحاء الإتحاد الأوروبي، وبالتالي أدت إلى إلغاء الكثير من رقابة السلطة السياسية والقانونية الوطنية على مشروعية أعمال المتابعة القضائية.

 وقد تم تبادل المعلومات عن الأشخاص المتهمين وسجلهم الإجرامي حسب التعريف الوارد في القرار-الإطار وبشكل تقديري. كما تم اتخاذ إجراءات جديدة واستخدام طرق تحقيق خاصة مثل الاعتماد على التنصت، المراقبة عن كثب، اعتراض البريد وقراءته وتسجيل الرسائل الالكترونية بدون تصريح قانوني. واعتبرت تلك إجراءات "وقائية"، أي بعدم وجود أي انتهاك.

 التفويض الأوروبي للاعتقال:

رغم أن المشروع يعتبر قديما، إلا أن إيجاد ضمان أوروبي في 6 كانون أول 2001 لتنفيذ الاعتقالات يحقق اتفاقا جماعيا للدول المتعاهدة للقيام بالتحريات والتحقيق. وبذلك فإن التفويض الأوروبي للاعتقال يعوض عن إجراءات تسليم الفارين إلى حكوماتهم.

 بالنسبة للتنفيذ، فسوف تبدأ جميع الدول منذ 1 كانون الثاني 2004، وقد بدأت 6 دول منذ بداية عام 2003 بالتحقق ومراجعة ليس فقط الأفراد المحكومين بل والمطلوبين أيضا.

 تم الإعلان في قمة ساندييغو- كومبوستيلي التي عقدت في 14 شباط 2002 أن التفويض الأوروبي للاعتقال سيصبح طور التنفيذ منذ بداية عام 2003 في إنكلترا، أسبانيا، فرنسا، بلجيكا، البرتغال ولوكسمبورغ. أما بقية الدول الأوروبية فستبدأ تفويضها بالتنفيذ مع بداية عام 2004.

 كما يمكن إصدار أمر التفويض الجديد بالاعتقال إزاء جرائم معاقب عليها على الأقل بثلاث سنوات سجن في الدولة المصدرة له. هناك قائمة موجودة بتجريم 32 شخصا حتى الآن. وسوف ينفذ التفويض ولو أن العمل المتابع في البلد المصدر ليس جريمة في البلد المرسل إليه. إن مبدأ العقوبات المزدوجة، وهو من أهم المبادئ الرئيسية في القانون الجنائي، يتم تجاهله. ويحصل الشيء ذاته بالنسبة إلى "مبدأ التخصص" الذي حدد من سلطة الدولة المعنية لوقف استمرار عملية تسليم الشخص إلا حسب الجرم المرتكب والذي يبرر تسليمه إلى حكومته.

 إن عملية تسليم الشخص لايتم رفضها إذا كان السبب هو انتهاكا سياسيا، وكما تسمح المعاهدة الأوروبية لتسليم الفارين. ولذلك فإن الضمان الجديد يسمح بالاعتقال وبدون الاكتراث بالمراحل القانونية والتشريعية والإجرائية. وهكذا يمكن إيقاف أي شخص، وتسليمه للدولة المطلوب من قبلها، وتفتيش مسكنه والحجز على ممتلكاته.

 وبعكس ماقيل حول التوحيد المزعوم للقانون الأوروبي، فقد تم التقارب والاتفاق بين جميع دول الإتحاد الأوروبي بخصوص التفويض الأوروبي للاعتقال وإجراءات التسليم. لكن رغم ذلك، فقد بقيت الاختلافات بين التشريعات الوطنية المتعلقة مثلا: بماتتضمنه الانتهاكات الجزائية والعقوبات المستخدمة.

 العدالة الأوروبية والشرطة الأوروبية:

هناك منظمتان قديمتان تم تمييزهما بعد 11 أيلول. في آذار 2001 تداولت العدالة الأوروبية 120 ملفا تتضمن حوالي 15 منها متعلقة بالإرهاب. ويتركز اختصاص العدالة الأوروبية بجميع الانتهاكات المذكورة في معاهدة المكتب الأوروبي لقوات الشرطة ( (Europol الذي تم إنشاءه عام 1994 للتنسيق مع جهود قوات الشرطة الوطنية في حربها ضد جميع أشكال الإجرام الدولية.

 ومنذ الحادي عشر من أيلول تمت إضافة هيئة جديدة وبإمكانيات جديدة وهي تشكيل قاعدة أوروبية تعمل بالتعاون على تبادل المعلومات، وبدون حماية المعطيات بالرغم من طلب البرلمان الأوروبي لذلك بين فرق ضباط الاستخبارات لقوى الشرطة والقضاة والموظفين في دول أعضاء الإتحاد الأوروبي. وقد عقد اللقاء الأول في 10 تشرين الأول عام 2001.

 أما المنظمة الأخرى، الشرطة الأوروبية ((Europol، فهي تدير القسم المؤقت للتعاون مع العدالة

  الأوروبية ((Eurojust. وهذا القسم يجمع قادة قوات الشرطة ووحدات مكافحة الإرهاب من أجل ضمان تعاون مثمر ومهام فعالة.

هناك مهمتين رئيسيتين للشرطة الأوروبية:

أ‌)  التركيز على إعداد وتحليل قوائم الإرهابيين والجماعات الإرهابية. يتم ذلك بالاستناد على الاشتباه بالإجرام وافتراضات أجهزة قوات الشرطة المختلفة والفروع الأخرى مثل الخدمات الخاصة لفروع الأمن الداخلية والخارجية. وفي كانون الأول عام 2001 وقعت الشرطة الأوروبية معاهدة مع السلطات الأمريكية من أجل تبادل المعلومات المتعلقة بالإرهاب.

ب‌)  العمليات المتخذة ضد الأهداف التي تم توثيقها اعتمادا على تقدير التهديد، الأضرار، طرق العمل المحتملة، الإجراءات الوقائية والنتائج الأمنية. ولم يتم ذكر أي حدود للإجراءات المتخذة ضد الأفراد أو الجماعات حتى ضمن دول الإتحاد الأوروبي أو خارجها. وتتيح هذه الإجراءات الآن للشرطة الأوروبية الاشتراك في فرق التحقيق.

 3.1.2. قانون اللجوء

منذ ميثاق دبلن في 16 حزيران 1990، الذي بدأ تطبيقه في 1 أيلول 1997، نلاحظ توجها للتكتل وتفسيرا مقيدا لحق اللاجئين على المستوى الأوروبي. أما بالنسبة للجوء فإن معاهدة دبلن قد وحدت جميع الأنظمة القانونية للدول الأعضاء. وتعتمد هذه الدول مفاهيما جديدة مثل: التأكيد على العالم الثالث أو بلد المنشأ، وهذا يتضمن رفض تفحص طلبات اللجوء. والاهتمام الأساسي هو تقليص عدد طلبات اللجوء من العالم الثالث. وبتغيير الطلبات الشخصية  ratione personae لمعاهدة عام 1951 ، وتقييد طلبات ratione loci تنتهك هذه الدول معاهدة عام 1951. ومنذ 11 أيلول تتم السيطرة على طلبات اللجوء من قبل أجهزة الأمن. 

2.2. كندا

تبنت كندا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول مجموعة من الإجراءات حسب "خطة كندية لمكافحة الإرهاب". ووضعت خطة لدوام هذه الإجراءات وتعديل القوانين الدائمة مثل القانون الجنائي، قانون الإثبات، قانون الحصول على المعلومات وقانون الهجرة. وقد فشلت الخطة وتمت إعادة دراستها بسبب التعبئة المدنية. وماتزال كندا تناقش معاهدة مع الإتحاد الأوروبي للتعاون المشترك قانونيا ومع الشرطة ولإقامة روابط مع العدالة الأوروبية والشرطة الأوروبية. 

1.2.2. الإرهاب

لقد تم تعريف الإرهاب حسب القانون رقم ت-36 لمكافحة الإرهاب والذي تم تبنيه في كانون الأول 2001 بإضافة قائمة مجموعات إرهابية وبدون إعطائها الحق لتفند الاتهامات المزعومة ضدها. ومن ناحية أخرى فهناك ضمانات حصانة "للأصدقاء" في قانون آخر رقم ت-35 بحيث تعطى الحصانة وتمنع أي إجراءات قانونية لكل من يدخل الأراضي الكندية بدون هدف معلن.

 التعريف المبهم للإرهاب:

يعدل هذا القانون القانون الجنائي والقوانين الأخرى من أجل إيجاد انتهاكات جديدة حسب التعريف المبهم بحجة محاربة النشاطات الإرهابية. بالنسبة للنص الأوروبي الأولي فقد تم استخدام تعابير مبهمة جدا بحيث يمكن أن تشمل أي شغب مدني بسيط مثل الإضرابات أو المظاهرات. وحتى النص الثاني المعدل لم يميز حقيقة بوضوح بين النشاط الإرهابي والعصيان السياسيي.

قرينة المسؤولية للشريك "الغير مطلع"

توضح المادتين رقم 19، 83 من القانون الجنائي الجديد بأنه ليس من الضروري معرفة المشتبه به أنه يساعد نشاطا إرهابيا من دون علمه. وهكذا فإن أي انتهاك يتم بهدف ديني أو سياسي يمكن وصفه نشاطا إرهابيا، وهذا يؤدي إلى

ثلاث نتائج:

1)  تعتبر مستمسكا على الشخص الذي يقدم صدقة أو يساعد شخصا يستوقفه في الطريق وهو لايدري بأن مصير ماتبرع به يؤول للنشاطات الإرهابية.

2) إن أي مبادرة إنسانية بسيطة يمكن أن تفتح المجال أمام استخدام قواعد للتحقيق، والإثبات وإجراءات استثنائية بدون احترام الضمانات القانونية للأفراد المشتبه بهم بأنهم قاموا بانتهاكات.

3) إن ذلك سيؤثر على الحكم النهائي الذي سيغدو أكثر قسوة.

قرينة المسؤولية للهيئات الخيرية.

يمنع ويحظر القانون الكندي بحجة محاربة الإرهاب نشاط الجمعيات الخيرية. لاتوضح الفقرة ت-16 المتعلقة بالجمعيات الخيرية (المعلومات الأمنية) أي تعريف للإرهاب، ولا تعرف بالخصوص معنى الجمعيات "الإرهابية".

 من ناحية أخرى لايمنع نقل الأسلحة والمصادر المالية التي تنتهك حقوق الإنسان.

 2.2.2. الإجراءات الاستثنائية للشرطة

إنتهاك حقوق الدفاع:

يغير القانون رقم ت-36 قواعد الإثبات ويرفض كشفها لأسباب مبهمة تتعلق بالأمن الوطني، مثل : "معلومات هامة" أو "احتمالات الضرر". ولهذا فإن الدفاع يملك فقط مواجهة أشباه أدلة، مما يهدد جديا الحق بالمحاكمة العادلة. إنها نهاية مبدأ الافتراض المسبق للبراءة وقلب مفهوم عبء الإثبات: أي أن على المدعى عليه إثبات براءته.

 بالإضافة إلى ذلك فإن البيانات الشخصية وتبادل المعلومات بين الدول بدون تصريح القضاة يقوض الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة. إن الدعاوى القضائية السرية في كندا تعتبر منذ الآن مثل "المحاكم بدون وجه" التي نشأت بالقانون الخاص لمكافحة الإرهاب في فيجوموري- بيرو والمحكمة الخاصة ذات القضاة "الملثمين" في الجزائر.

 3.2.2. قانون اللجوء

إن خاصية كندا كبلد هجرة أصبحت محل للشك، ولو أنه لايمكن مقارنتها مع أستراليا التي لاتتردد في إعادة مواكب المهاجرين. فقد أثرت الإجراءات المتخذة في كندا جديا على ضمانات الحماية تجاه اللاجئين حسب التزامها بميثاق جنيف لعام 1951 وبرتوكول عام 1967.

 إن الاتفاقية بين كندا وأمريكا حول استخدام اللجوء هي قيد المفاوضات منذ عام 1993 وتسمح بإغلاق الحدود أمام كل طالبي اللجوء المارين عبر أمريكا، لكن الضمانات المقدمة من قبل النظامين مختلفة. وقد أقرت كندا حسب الاتفاقية مع أمريكا اعتماد قائمة الدول المصرح لها بالفيزا. تتضمن هذه الاتفاقية تعديلات على قانون الهجرة حسب القانون رقم ت- 42المتعلق بالأمن العام. ويحتوي هذا القانون على عدد من الحقوق التي يمكن إساءة استخدامها، فهي تسمح بالتالي:

-   الكشف عن المعلومات المتعلقة بالمسافرين عبر شركات الطيران وحتى في حالة العبور المؤقت "الترانزيت".

-   تخويل نفوذ أجهزة الهجرة لتوقيف الأجانب الذين لايتم التعرف بهوياتهم بشكل مقنع سواء عند نقاط الحدود أو غيرها.

-   إعادة الأشخاص إلى البلد المطلوبين من قبلها بدلا عن البلد التي يختارونها.

 لقد انتقدت الأوساط الاجتماعية والمدافعين الكنديين عن حقوق الإنسان ومكتب المفوضية العليا للاجئين تنفيذ هذه الاتفاقية ونصوص استخدامها.

 3. محاولة التفسير

بالرغم من تعقد الوضع الذي تأزم في مرحلة شك كبير، نستطيع القول عموما بأن الانهيال الكثيف للإجراءات الدولية والأوروبية والوطنية قد ساهم بتسريع عملية واسعة كانت تتم من قبل 11 أيلول 2001.

تندرج هذه الإجراءات ضد الحضارة القانونية للدول الديمقراطية بشكل عام والدول الأوروبية بشكل خاص. إن هذه الإجراءات تتجاوب مع المصالح الأمريكية أولا. 

في الحقيقة، لقد وضع الإتحاد الأوروبي بحالة تناقض مع معاييره لحقوق الإنسان ومع معايير الأمم المتحدة والعقوبات ضد حقوق الإنسان في الدفاع ومقاومة القمع كما تم عبر تاريخهم. كما تتنصل سياستها مما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

إن القانون الدولي يقر بحق الشعوب المحتلة بالمقاومة من أجل حريتهم. وذلك ينبثق عن القرار رقم 159/42 للجمعية العامة للأمم المتحدة حول الإرهاب في عام 1987. خلال الحرب العالمية الثانية، كانت حركات وجماعات المقاومة ضد النازية تدعى "إرهابية" من قبل خصومها. وقد أقر إعلان برلين للإتحاد الأوروبي في 1999 بحق الفلسطينيين بتقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة بينما أعتبر الاحتلال الصهيوني غير شرعي. تؤكد المعاهدات الدولية للقوانين المدنية والسياسية كما تؤكد المواثيق الأوروبية لحقوق الإنسان على الحقوق المدنية، وبدون تمييز، للمشاركة بالشؤون العامة. لكنه لايوجد في تعريف الإرهاب أي تفرقة بين الدول التي تضمن حق التعبير والمشاركة في الشأن العام والدول القمعية.

 ماهي المصالح المعنية خلف هذه الإجراءآت؟

 تعبر هذه المعايير عن توجه مسبق بالهجوم بحيث تساهم في توحيد الاهتمامات الأمريكية وتتجاوز نية محاربة الإرهاب فقط.

 1.3. العولمة وعودة سلطة شرطة الدول

1.1.3. العولمة الاقتصادية والاحتجاجات عليها

عندما نحلل ماجرى في السنوات الأخيرة منذ بدأ الاحتجاج ضد العولمة التي أبطلت الاتفاق المتعدد الأطراف للاستثمار لمجموعة الدول (الصديقة) عام 1998، والتي شوشت على المؤتمر الوزاري للمنظمة العالمية للتجارة في سياتل ((OMC عام 1999، ثم في برشلونة، كوبيك، جنوا وفلورنسا نلاحظ عودة نفوذ سلطة شرطة الدول على المسرح العالمي.

 إن الحركات الاجتماعية التي المناهضة للعولمة قد أسست سلطة ضغط ضخمة تستطيع التأثير على حجم العمل التجاري عبر الحدود. لكن هذه الحركات لاتقدم خيارات على عكس المجموعات الاقتصادية والمالية.

 إن مجموعات المصالح الاقتصادية والمالية تريد متابعة توسعها. فهي تتولى "السيطرة" الاجتماعية في العولمة وتستخدم إستراتيجية ذات مستويين:

فهي تعمل من جهة ضد شعبية المحتجين من خلال عمليات جادة تتضمن النواحي العرقية، الاجتماعية والبيئية، ومن جهة أخرى فهي تجيد استخدام الدول والمنظمات الإقليمية غير الحكومية. كما تدفع الدول للتدخل لصالحها.

 2.1.3. استخدام سلطة الدول

إن الدولة هي الفاعل الرئيسي في معظم الدول، وهي مصدر القوانين الوطنية والدولية، وبالأخص فهي تمتلك القوة. ولذلك فإن الدولة هي التي "ستحمي" التجارة العالمية ضمن إطار الليبرالية بدون حدود. إن استخدام القمع هو خيار معتمد سلفا، وتأتي أحداث الحادي عشر من أيلول لتسبغ عليه شرعية للدفاع عن "القيم الغربية العامة". وقد سهل الإعلان ذلك عبر إعطاء دلائل تصل العرق والدين بالإرهاب. فالإرهابي الكامن هو الفلسطيني والعربي والمسلم. وعلى مدى 2000 عام كانت كلمة يهودي تعتبر اضطهادا، ويبدو أن التاريخ يعيد ذلك ببساطة مع كلمة "العربي" و "المسلم".

 2.3. الصراعات المحلية، البؤس والنزوح السكاني

نظرا لاتساع هوة عدم المساواة في العالم بسبب الخطط البنيوية للتعديل والصراعات السياسية والعرقية المتزايدة فوجئت الدول الديمقراطية بطوفان من المهاجرين واللاجئين.

 في الذكرى السنوية لحقوق الإنسان، في 10 كانون الأول 2001، قدم  17مقررا خاصا وخبيرا مستقلا من مفوضية حقوق الإنسان تقاريرا عن انتهاكات حقوق الإنسان الواقعة والتي تستهدف بعض الجماعات وبشكل خاص المدافعين عن حقوق الإنسان، المهاجرين، الباحثين عن لجوء، اللاجئين، الأقليات العرقية والدينية، النشطاء السياسيين والإعلام.   

 في الجبهة المحلية:  بعد 11 أيلول اضطرت هذه الدول لمراجعة سياستها تجاه بعض أقلياتها. وقد تم قياس المواطنة حسب مدى اندماج الأقليات العربية والمسلمة، وهكذا تم خلق حاجز مع "الآخر". هذا التفريق بين مواطني الدرجة الأولى والثانية أدى لتعامل مختلف مع الشرائح الاجتماعية ضمن الإطار الوطني بحسب أصولهم.

في الخطة الخارجية:  أدت أحداث 11 أيلول إلى "ردود فعل" سببت أضرار لأكثر الناس ضعفا في العالم. في الواقع، إن اللاجئين والضحايا هم الهاربين من القمع والاضطهاد وأوضاع الصراع والإرهاب. هؤلاء هم مسلمون بشكل عام ويجدون أنفسهم مستهدفون مع منظماتهم الإنسانية. إن "الأجنبي" يخضع لتأشيرات الدخول والإقامة بعكس الأوروبيون الذين يتمتعون بحرية التنقل والإقامة والعمل.

3.3. الهيمنة الأمريكية

بالرغم من أن القوتين الأساسيتين المتزعمتين للعلاقات الدولية هما ليستا دولا بحد ذاتها، فمن جهة هناك مجموعات كبيرة اقتصادية وصناعية وشركات إعلام ومن جهة أخرى هناك اتحادات بين الدول مثل ألينا، الإتحاد الأوروبي، ميركوسور، آسيان وغيرها، إلا أن موازين القوى تتخذ الإجراءات الإقليمية والوطنية على مستوى العالم بإيحاء وتأثير رئيسي من الولايات المتحدة الأمريكية. إن السياسات الخارجية للولايات المتحدة تتضمن أيضا عامل التأثير الإسرائيلي الذي يعتبر المنظمات الخيرية لإغاثة الشعب الفلسطيني كوسيلة لدعم الإرهاب رغم الوضع الإنساني المأساوي لهذا الشعب.

 إن الإجراءات الجديدة يتم اتخاذها بذريعة الأمن والدفاع عن قيم مثل الديمقراطية.

 إذا كان أمن الشعب هو واجب أي قيادة سياسية، وإذا كان حق الحكومة حماية نفسها من أي هجوم هو شرعي وضروري ، فيجب بالضرورة أن يبقى ذلك ضمن إطار القانون عموما واحترام المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان على وجه الخصوص. قال بينجامين فرانكلين: إذا كان ثمن الحفاظ على الأمن هو الحرية، فسيفقد الإنسان الحرية والأمن معا.

 بعد 11 أيلول أصبح التمايز بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا في علاقتهما مع العالم العربي والإسلامي أقل وضوحا رغم وجوده حقيقة.

 في الواقع، تفرض الولايات المتحدة جدول أعمال السياسة العالمية التي تحررها من التزاماتها واتفاقياتها وتقوض دور الأمم المتحدة لتصبح الناطقة باسمها. وأنا أصر على تأثير الولايات المتحدة في اتخاذ هذه الإجراءات. طبقا لجميع معايير القوة تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية القوة الأولى في العالم. ورغم أنها مثلا تشكل أقل من 5 % من تعداد السكان في العالم فهي تستخدم كل عام 27% من النفط العالمي.

 إضافة لذلك، جميع دول العالم منخرطة في ديناميكية العولمة الاقتصادية. والصراع الجديد ليس له دلائل أخرى سوى نموذج السوق العالمية. وفي الحقيقة فإن الليبرالية المتطرفة لمجتمع السوق الشهير قد استنكره رئيس الحكومة الفرنسي ليونال جوسبان. وقد تم نسف البنى الرسمية والاجتماعية وخاصة في دول أوروبا الشرقية ودول الجنوب، بينما تم تعزيز الديكتاتوريات.

 4. المفارقات الحاسمة

غالبا مايفرض الأمريكيون الحل العسكري والشرطة بدلا عن الحل السياسي والقانوني. فهم لم يسبق لهم أن تكبدوا أي خسائر بشرية على أراضيهم قبل 11 أيلول. أما الأوروبيون، فمن جملة معاناتهم عاشوا حربين عالميتين ويعرفون الثمن الإنساني القاسي. ورغم التاريخ الذي يمتد لأكثر من ألف عام مع العالم العربي والإسلامي فإن خيار العالم الأوروبي غالبا مايكون الحل السياسي.

 مثل الدول الناطقة بالفرنسية حوالي أقل من ثلث دول العالم. وتأثير "الحل" الأمريكي على أوروبا لايعني أن الإجراءات المستخدمة في حل النزاعات هي ذاتها. ويبقى هناك خلاف جدي ومفارقات بين دول الإتحاد الأوروبي الناطقة بالفرنسية وكندا.

ولهذا فإن كندا " تحتوي/تتفهم أكثر" اهتمامات جارتها القوية. فكندا تتفهم مثلا أن الولايات المتحدة الأمريكية تستطيع إيجاد سمة للاحتفاظ بما لديها من أسرى ضمن ثغرات القانون، فلا هم "أسرى حرب" في انتهاك لمواثيق جنيف ولا هم أسرى الحق العام حسب المعايير الوطنية والدولية. إن منظومة القانون الكندي أقرب إلى النظام الأمريكي منها إلى النظام الأوروبي لكنها غير مشابه له.

 إن جوهر السياسة في أمريكا يتمثل بالحاجة للقوة بشرعية كاسحة. كتب روبرت د. كابلان مايلي: "إن القاعدة الأخلاقية لسياستنا الخارجية تعتمد على طبيعة شعبنا وقادته وليس على مبادئ القانون الدولي". وتبقى كندا مقيدة ضمن إطار قانوني وتتخذ إجراءات تؤدي للتنصل من تاريخها.

 إن الاختلافات بين النظام القانوني الأوروبي و الأوروبي/ الكندي لايبين مدى تداخل المعايير بينهما.

 وبعكس الولايات المتحدة التي رفضت رسميا الانضمام إلى نظام المحكمة الجنائية الدولية ((CPI،  وقعت كندا عليه في 18 كانون الأول 1998 وأصبحت في 29 حزيران 2000 الدولة الأولى في العالم التي تبنت قانون إدماج نظام المحكمة الجنائية الدولية في قانونها الوطني وتمت التصديق على ذلك في 7 تموز 2000. هناك مثال آخر للتشابه بين إتحاد الدول الأوروبية وكندا وهو مصادقتهم جميعا على الاتفاقية-الإطار الأممية  المتعلقة ببروتوكول كويوتو لمكافحة التغييرات البيئية بينما انسحبت الولايات المتحدة منه.  

أما في الإتحاد الأوروبي فقد حصل تضاد آخر ، فبينما تواصل بلجيكا دورها الرائد على المستوى الدولي لتشجيع الدول التي لم تصادق بعد على نظام المحكمة الجنائية الدولية للمشاركة أثرت المبادرات الفرنسية سلبيا على مسودة نظام هذه المحكمة.

وهكذا يكون دور فرنسا الحقيقي ذو حدود. ويكفي أن نرى ماذا تفعل في ساحل العاج ، ودعمها لنظام الجنرالات في الجزائر، وتسترها وصمتها على وحشية الروس في الشيشان، ومساهمتها في الإبادة الجماعية في هوتو- راوندا، وغيرها.

 إن خطابات كلا الأوروبيين والأمريكان تؤكد المخاطر الجديدة للإرهاب. وبينما تدون الدول الأوروبية الشروط الجديدة ضمن إطار الظروف الاستثنائية استنادا إلى المواثيق الدولية المبنية على القوانين المدنية والسياسة ((PIDCP يبقى الجواب التشريعي ضمن حدود "الحرب المشروعة". من جهة أخرى، يخضع الرد الأمريكي للتمييز. إن الحق في المنطق الأمريكي لايسري على "الأعداء"، ويتم تداول خطاب إيديولوجي لتبرير التمييز.

 تبنى الولايات المتحدة الأمريكية موقفان: أولا، قانون الظروف الاستثنائية إذا كان الإرهابيين أمريكيين "أصليين". ثانيا، لا-قانون لأي غريب يتميز من سحنته. إن الإجراءات التي تتعلق بانتهاك الحريات تبرر على الجبهة المحلية استنادا إلى "الظروف الاستثنائية" المتخيلة. ويتم انتقاد هذه الإجراءات أحيانا لأنها تقيد حرية الأمريكيين، لكنها غالبا مايتم قبولها بين المواطنين بسبب ضغط الإعلان المستمر حول أهميتها وضرورة اتخاذها. عندما يمحو التفكير المانوي أي شيء من القانون، تحت ذريعة فعالية قوات الشرطة، يمارس العنف بعيدا عن سلطة القانون.  

إن التدابير الخاصة تنتهك حق المقاومة ضد الظلم، الحق الشرعي بانشقاق الرأي، حق الشعوب بتقرير مصيرها، الحق في شجب عنف الدولة ولو تم بشكل سلمي، الحق في المساعدة الإنسانية، وغير ذلك. كما يتم تجاهل الحقوق والحريات الأساسية وهذا يقود إلى استحالة وجود تعريف مقبول شرعي وعام للإرهاب. إن عنف الدولة يستمد شرعيته من معايير خاصة أخرى خارجة عن المنطق القانوني، تماما مثلما حصل مع "العنف المقدس" أو "الإيديولوجي" الشرقي للإرهاب.

 على المستوى الدولي، تستغل الولايات المتحدة التناقضات بين أجهزة منظمة الأمم المتحدة، خصوصا بين الجمعية العامة ومجلس الأمن. فعلاوة على الإثنتي عشرة اتفاقية أممية المتعلقة بالإرهاب، صادق مجلس الأمن بالإجماع القرار رقم 1373 في 28 أيلول 2001.

طبقا لهذا القرار، تم إنشاء لجنة لمكافحة الإرهاب. ويتوجب على الدول الأعضاء التعاون بتبادل المعلومات المتعلقة بالإرهاب بغض النظر عن التزاماتهم الدولية تجاه حقوق الإنسان التي لم يتم التساؤل عنها.

 في الفصل الخاص بمكافحة تمويل الإرهاب، واستنادا إلى الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب   في 9 كانون الأول 1999 والقرارين رقم 1373 و 1390 لمجلس الأمن نفذت جميع الدول الغربية التوصيات الثمانية الخاصة لمتابعة تبييض رؤوس الأموال المتعلقة بتمويل الإرهاب. لاتسري اتفاقية 1999 عندما لايتضمن التمويل أي علاقة دولية حسب مفهومها.

 قامت مائة وإحدى عشرة دولة باتخاذ إجراءات لمنع تمويل الإرهاب، لكن احتمالات الخطأ توجد غالبا بسبب غياب تعريف محدد للإرهاب ومجمع عليه. وقد استهدفت هذه الإجراءات أيضا المنظمات والجمعيات التي تناضل من أجل الحرية وتقرير المصير، وفي نفس الوقت استثنت المنظمات الإرهابية غير العربية والغير إسلامية.

بالرغم من التأثير الأمريكي، فإن القوة الأسطورية للقانون في النظام الأوروبي القانوني مبنية على عادات رومانية قديمة يصعب تلمس طبيعتها. لكن يبدو أن الإمكانيات الثلاثة ( التشريعية، التنفيذية والقانونية) تغدو ضبابية في الظروف الاستثنائية لتتيح للسلطة التنفيذية أن تنشط بواسطة المراسيم التشريعية. بالنسبة للنظام الأوروبي، فإن العنف هو دوما سلاح القانون. وقد كان النظام الهتلري مؤطرا جيدا بالقانون.

 إن كندا لديها نظاما مزدوجا مع القانون العام المنبثق عن العصور الوسطى البريطانية والذي يطبق في أنحاء كندا عدا منطقة كوبيك من جهة، ومن جهة أخرى مع مبادئ القانون المدني في كوبيك الذي يعود للإمبراطورية الرومانية ويقتبس طرق "شرعية" التمييز. إن الإجراءات الرسمية المتخذة هي متعلقة بالظروف الاستثنائية للميثاق الدولي والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان الموازية للاتفاقية الأوروبية. وفي ظل هذه الأوضاع، تبقى سلطة القضاء هي الملاذ لمبادئ حقوق الإنسان التي تم تزييفها عبر عصور. إن احترام هذه المبادئ لاينفصل أبدا عن السلطة القضائية.  ويمكن لهذه المبادئ تقييم المصالح الأمنية والحكومية في ضوء شرعة الحقوق والحريات. وقد طورت الهيئات القضائية استقلاليتها وأبدت حرصها الدقيق كلما تعلق الأمر بحماية الحقوق والحريات لكل فرد، حسب التعريف الوارد في الأحكام القضائية الدستورية للحقوق والحريات. 

سواء أكانت مغلفة قانونيا أم لا، تعلمنا التجربة أن الإجراءات المتخذة بحالة طوارئ أو خلال  الحملات المبنية على الخوف تعكس الضرر على الحقوق والحريات. وتفتح هذه الحملات الباب أمام ممارسة التمييز وإساءة الاستخدام، وبشكل خاص ضد المعارضة السياسية، الثوار والمناضلين في منظمات المجتمع المدني.

 ولهذا السبب يجب أن يرتفع صوت المدافعين عن حقوق الإنسان ويذكر بالقاعدة الذهبية المتعلقة بمحاربة الإرهاب، سواء إرهاب الدول أو المجموعات، والوصول إلى الطريقة الأكيدة لمحاربة الإرهاب وفق مقتضيات العدل.

 ومن أجل فعالية أكثر، يتعين على حركة المدافعين عن حقوق الإنسان إقناع أوروبا، وفرنسا بشكل خاص، بضرورة  اللجوء إلى قواعد القانون. واحتمالات الإصغاء لذلك في أوروبا ولاسيما فرنسا وكندا هي أكثر منها في الولايات المتحدة الأمريكية. لقد استحسن المجتمع الدولي دور شيراك في جوهانسبيرغ خلال قمة دوربان التي أقرت بأن جميع الشعوب ساهموا بتطوير الحضارة وتأسيس التراث الإنساني. وهذا يؤكد أطروحتنا بوجود تمايز بين أوروبا وكندا وبين الولايات المتحدة.

 إن معايير وقيم الإتحاد الأوروبي وكندا مختلفة عن تلك الأمريكية. وقد وضحوا ذلك إيجابيا من خلال التصرف تجاه بروتوكول كويوتو، المحكمة الجنائية الدولية، أو ضمن المنظمة العالمية للتجارة، كما أبدوا دورا إيجابيا تجاه الشرق الأوسط. وفي الاجتماع الأخير في كوبنهاغن، انتقد الرئيس جاك شيراك بشدة المذهب الأمريكي العسكري الذي يبرر تدخل القوات الأمريكية في كل مكان بالقوة.

 تضمن حقوق الإنسان التسامح والتعددية، وهما خاصيتان لاتنفصلان أبدا. تدعم ذلك المفوضة العليا ماري روبنسون بقولها: "إن الضمان الطويل الأمد والوحيد للأمان هو التأكيد على احترام مبادئ حقوق الإنسان والقانون الإنساني". وفي الحقيقة، لاشيء يمكن أن يبرر التسوية على حياة الإنسان والكرامة.

 بالتالي، لايجب أن يبقى الأمن بين أيدي ضباط الشرطة والدرك، ويتطلب ذلك تغيير هذا النموذج القائم. إن الأمن مثل السلام، وهما ثمار العدالة، والتوازن الصحيح بين حقوق الإنسان والإجراءات المضادة للإرهاب هو الكفيل بضمان الأمن الإنساني.

 نعتقد أن المنظمات غير الحكومية للدفاع عن حقوق الإنسان لها تمثيلها الفعال. وقد أصبح دورها ضروريا أكثر من ذي قبل لأن القوى التقليدية الموازية تبدو غير فعالة سواء في الجبهة المحلية (الأحزاب، الاتحادات والنقابات، الصحافة الحرة) أو الدولية (الأمم المتحدة ومنظماتها للدفاع عن حقوق الإنسان). ومهما بدا اهتمامهم فإن نشاطهم لايكون فعالا إلا إذا اندرجت ضمن تصور إستراتيجي. إن القرن الواحد والعشرين يتطلب عقدا اجتماعيا جديدا ذو مستوى عالمي.

 5. الاقتراحات

كيف يمكن إيجاد حل واقعي معادل في الوضع المنقسم بين المبادئ الأساسية للأمن وحقوق الإنسان وبين المنظمات الغير حكومية والدول؟ وهل هذا بالضرورة هو دور الإتحاد الأوروبي؟ وفي أي مكان نضع العرب والمسلمين الذين يدفعون ثمن هذا الصراع؟

 بدلا عن الحلول وتتبع آثارها أقترح توقعات للإجابة عليها، وليست كاملة بالضرورة أكثر من القانون، حسب تعريفه. في الحقيقة، لدي الكثير من الأسئلة والاستفسارات التي أود اقتراحها عليكم بدلا عن الحلول.

 إن عالم القطب الواحد اليوم يهدد المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان. ومقابل قوة أمريكا يستطيع فقط الإتحاد الأوروبي وكندا إعادة التوازن لموازين القوى القائمة.

إنها ليست مسألة أن نكون ضد أمريكا، لكن ذلك من أجل تقليص الضرر الناجم عن تطرفها الأحادي الجانب والذي يؤثر على قدسية حقوق الإنسان. إن أمريكا تصنع الحرب وتدع لأوروبا لعب دور الطبيب. وللإجابة عن سؤال تقسيم الأدوار هذا سيجيب مستشارا للرئيس بوش بأن الأمريكيين ليسوا منظفي نوافذ.

 إن فرنسا على وجه الخصوص، بعمقها الأوروبي والفرانكفوني، بما في ذلك كندا تستطيع ترأس هذه الحركة لحماية الكرامة الإنسانية.

 من وجهة نظرنا، يجب أن تنشط المنظمات غير الحكومية في هذا الاتجاه واستنادا إلى المحاور الأربعة المتكاملة التالية:

 المحور الأول: في الدول العربية والإسلامية. يجب علينا أولا أن نعيد مراجعة مانعيشه والمؤسسات والقواعد التي تحكمنا. فإذا كنت أصر على حقيقة أن المسلمين هم ضحايا، فإن عليهم أيضا أن يلعبوا دورا باتجاه إعادة النظر بالدولة، والمؤسسات، والتحرك السياسي وحتى في شركاتهم أيضا في الغرب حيث يمثلون أقلية قوية.

 المحور الثاني: يتعلق بضرورة الفضح الحاد للجرائم المرتكبة من قبل الدكتاتوريين في الدول العربية والإسلامية، والتوثيق الممنهج للمتابعة القانونية أينما كان في العالم. ويجب أن يستهدف الفضح الحاد أي جريمة بحق المدنيين الأبرياء كائنا من كان مرتكبها.

المحور الثالث: يتعلق بالحصانة. فالحصانة تحدث دوما جوا من الخوف والرعب وينتج عنها شركات وحكومات غير مستقرة. وهي أيضا تشجع على الأعمال الإرهابية وتلغم جهود المجتمع الدولي للعدالة والسلام. وضمن هذا الإطار، من الضروري إيجاد الحوار والتكامل، أولا بين المنظمات غير الحكومية العربية والإسلامية، وثانيا بين هذه المنظمات ومثيلاتها في بلدان الشمال. كما يجب كسر رد الفعل التلقائي الذي يحمل على التفكير بشأن مكافحة الحصانة واللاعقاب وبشأن الحقوق الإنسانية ضمن الإطار القومي، الإقليمي والقبلي.

 المحور الرابع: يتعلق بالحوار. إن المؤتمر العالمي ضد العنصرية، التمييز العرقي، كراهية الأجانب، وعدم التسامح يزودنا بجدول أعمال مناسب. إن التمعن في حقوق الإنسان يجب أن يؤكد ثراء واختلاف حياة كل إنسان لكي تكون ترياقا ضد الإرهاب. إن إعلان دوربان وبرنامج العمل تؤكد أن جميع الشعوب والأفراد قد ساهموا في تقدم الحضارة وتطورها التي أسست للتراث الإنساني. كما تطرح أن تعزيز التسامح، التعددية، واحترام الاختلافات سينجم عنها مجتمعات أكثر تجانسا. فلنبادر بتداول هذا الحوار بيننا ومع الآخرين.

 إن جميع المحاور الأربعة تهدف إلى العدالة العالمية والحوار من أجل السلم والتطور. وأعتقد أنها محاور ضرورية وفعالة.

إن الاتجاه الرشيد يعني أن الرد الصحيح على الإرهاب يتم بضرورة استخدام القانون ومعرفة أسباب الإرهاب وليس استخدام القوة.

هناك ضرورة ماسة للمصادقة على اتفاقية دولية للإرهاب بحيث تتوحد المفاهيم عبر فصلها عن حق الشعوب بالاستقلال الذي لايقبل المساومة ولو كان باستخدام الكفاح المسلح عند اللزوم، والمشاركة بدون تمييز أو تحيز بالشأن العام في دولهم. كما يجب أن يعتبر الإرهاب جريمة ضد الإنسانية يطبق عليه قانونا مصدقا من المحكمة الجنائية الدولية. ويجب أيضا الاحترام التام لمبدأ الاختصاص العالمي من أجل ضمان العدل وشروط السلام والتطور.

 عودة               

الصفحة الرئيسية

انتهاكات الجمعيات

انتهاكات العاملين

مكتبة فنية

مواقع صديقة

طلب عضوية

لمراســـــلتنا

 

all rights reserved to international bureau of humanitarian ( I B H )  2004 - 2007 © جميع حقوق النشر محفوظة لموقع المكتب الدولي 

www.humanitarianibh.net          ibh.paris@wanadoo.fr

Tel&Fax: 0033147461988