|
لا تملك منظمات الإغاثة الدولية غير الحكومية الكثير من الإمكانيات لحماية عامليها، والتحكم الدقيق في خططها لمساعدة المدنيين الذين يقعون ضحية الكوارث الطبيعية، أو المعارك في بؤر التوتر والصراع المسلح عبر العالم. لكن الكاتبة والصحفية ليندا بولمان تعتقد أن كتابها الذي يحمل عنوان "قافله الكوارث" يلقي الضوء على تفاصيل عالم آخر، هو عالم عمليات التدخل الإنساني وقت الكوارث، وأن هذا الكتاب سيكون مدخلا للنقاش والتفكير في تفاصيل الإغاثة والمشكلات التي تواجهها عبر العالم
عند وقوع كارثة من الحجم الكبير، تهرع ألف من المنظمات الإنسانية الغنية، بسيارات الجيب من آخر طراز ومحملة مولدات كهربائية صغيرة، وتستوطن في صغيرة موقع الكارثة، وما يتبع ذلك من أعمال وأحداث. عايشت ليندا بولمان هذه المواقف بكل تفاصيلها خلال عملها في مناطق عدة من العالم أثناء النزاعات المسلحة وغيرها. وعلى سبيل المثال شهدت ليندا بزلمان بنفسها تفاصيل ما وقع في مدينة غوما شرق الكونغو عندما لجأ اليها نحو مليون مواطن من رواندا بعد التصفية العرقية التي شهدتها البلاد عام 1995.
تقول بولمان في كتابها" كان هناك المئات من منظمات الإغاثة، التي يجوب العاملين فيها مخيمات اللاجئيين بسياراتهم ، ويحلقون حتى بالطائرات "هيركيليز" في أجواءها في إقلاع وهبوط لا يتوقف في المدرجات الصغيرة التي أقيمت لهذا الغرض لنقل المؤن وتحقيق المزيد من الإغاثة وإقامة المشافي المتنقلة ودور الايتام."
الكونغو مثلا
لكن الكاتبة تشير أيضا الى أولئك المسلحين الذين يرتدون البزات العسكرية داخل المخيمات، ومن هنا وهناك بين خيام اللاجئين ترى دبابة أو عربة عسكرية متوقفة:
" في الوقت الذي كان الغرب يعتقد بأن الأمر يتعلق بحماية اللاجئين والضحايا الفارين من المجازر في رواندا، كانت الحقيقة المؤلمة أن أولئك المسلحين الذين كانوا يجوبون معسكرات الإغاثة كانوا من مرتكبي المجازر أنفسهم، وكانت المنظمات الاغاثة الدولية ترعى شؤونهم وتقدم لهم المساعدة دون علم، وبالطبع كان عمال الإغاثة وموظفيها يرون باعينهم لباسهم العسكري" تقول ليندا بولمان.
وتضيف الكاتبة قائلة "لكن لو علم المانحون في وقته أن اناسا من بين الفارين من المجازرهم من العسكريين، يتواجدون في مخيمات اللاجئين، لأوقفوا مساعداتهم وتبرعاتهم على الفور، وهذا يعني بالطبع أن تلك المنظمات لن تستطيع مواصلة أعمالها هناك."
لقد تم تحليل الوضع في مدينة غوما، شرق الكونغو بشكل دقيق. واعترفت منظمات الإغاثة أنها كانت تواجه مشكلات تتعلق بنقص في العقود، المبرمة في ذلك الوقت وإنخفاض المساهمين. إنها مشكلة عقود بالدرجة الاولى كما ترى ليندا بولمان، حيث تعتبر المحرك الرئيسي لاعمال الإغاثة. وتنشط منظمات الإغاثة وفقا للعروض التي تتلقاها من طرف المانحين، الذين يحددون ما يجب القيام به من أعمال، والبؤر التي تتطلب تدخلا إنسانيا عاجلا، كإنشاء قنوات للمياه، أو نشر الخيم في معسكرات اللاجئيين وغيره من الأعمال.
وتتجه منظمات الإغاثة الدولية الى الأماكن التي تستقطب أموال الجهات المانحة، فعندما يقرر المانحون الاهتمام بمنطقة ما تتوجه منظمات الإغاثة وقوافل المساعدات الدولية الى هناك.
ملاعب تنس انيقة وسط الخراب
وتتذكر بولمان في هذا الشان جيدا كيف تدافعت قوافل الإغاثة إلى سيراليون في غرب أفريقيا بعد الحرب الاهلية الداميه هناك.
وتقول مؤلفة " قافلة الكوارث:
" في وقت كانت البلاد فيه لا تزال ينوء بأثقال الحرب ويعش سكانها في انقاض المباني التي دمرتها الحرب وأكواخ الورق المقوي ، تم افتتاح أولى ملاعب رياضة التنس، والمقاهي والحانات، وأجواء المتعة في الشواطىء. أعتقد، في كل مرة أستذكر فيها هذه التفاصيل، أنها تعطي صورة واضحة كيف ان الثروة والرفاهية هي التي تحتل المشهد خلال أعمال منظمات الإغاثة. هذا ما يقوم به الغربيون، إنهم يهرعون الى تلك المناطق للإغاثة لكن يحولونها الى أماكن يمكنهم العمل فيها حسب رغباتهم وطريقتهم في العيش.
تقدم الصحفية ليندا بولمان في كتابها "قافلة الكوارث" الكثير من الإنتقادات للسياسة المتبعة في مجال منظمات الإغاثة ونشاطاتها، لكن كيف يجب أن يكون عليه الحال حسب بولمان نفسها؟ هذا سؤال يثير لدى الكاتبة كثيرا من الحيرة. تقول بولمان:
"نريد حلولا أخرى تكون سهلة وممكنة في حالة لم تنفع التبرعات في حل المشكلة. الواقع أن المسألة على قدر من التعقيد، ولا بد أن تقوم منظمات الإغاثة بتحليل الوضع بشكل دقيق، وفي بعض القضايا عليهم إتخاذ قرارات مؤلمة البقاء في بيوتهم إذا تبين مثلا أن الأشرار وأمراء الحرب يستفيدون من الإغاثة أكثر من الضحايا والمحرومين."
ومن ناحية أخرى ترى بولمان أن الصحفيين بدورهم يقعون في أحيان كثيرة ضحية لهذا الوضع، فهم يجوبون بعض مناطق الكوارث والنزاعات المسلحة بالاعتماد بشكل رئيسي على ما توفره منظمات الإغاثة. و ترى الكاتبة أن ليس فقط الصحفيون مطالبون بالنظر بعيون ناقدة لاعمال المنظمات، بل أيضا الجهات المانحة. وتقول بهذا الصدد:
"لا يجب على المرء أن يعتقد أن كل شيء هو على ما يرام مادام الأمر يتعلق بمنظمة دولية للإغاثة."
31-10-2008
عودة
|