عمان
– اياد الرنتيسي – انسان اون لاين
لم تضنهم الرحلة الأولى التي قطعوا فيها
الأميال إلى غزة قبل عام، ولم تعيهم مشقة وعناء السفر، ولا بعض
التضييقات والعرقلة هنا وهناك والتي أعاقت دخول القافلة
المحملة بالمساعدات ما يزيد عن الثلاثين يوما.
إلا أنهم قطعوا الأميال نفسها ثانية ليرسموا
الابتسامات ذاتها..تلك هي باختصار كبير حكاية "قافلة أميال من
الابتسامات2"، والتي تعد احدى حكايات الإصرار والتصميم على كسر
حصار غزة، والتي سرد أحداثها عدد من متضامني الحرية، الذين
تجمعوا من مختلف بقاع الأرض، على اختلاف انتماءاتهم وأعراقهم
وأديانهم لرفع الظلم عن المظلومين، ولقول كلمة "لا" مزلزلة في
وجه الحصار الظالم.
وبعد دخولهم قطاع غزة ومكوثهم فيه لعدة أيام،
تجولوا خلالها في المناطق التي دمرها العدوان الأخير، وقاموا
بعدد من الفعاليات، حيث تلمسوا وجع المحاصرين، "وسلموا فيها
الأمانات إلى إهلها" كما يطيب للدكتور عصام يوسف – المنسق
العام للقافلة- وصف عملية تسليم المساعدات، الذي التقته "نافذة
الخير" في طريق عودته إلى لندن، وتبادلت معه أطرف الحديث حول
قضايا متنوعة، منها، واقع قطاع غزة المحاصرة كما يراه، وتقييمه
لإنجازات قوافل كسر الحصار، وتعاون السلطات المصرية معها،
وإشكالية العلاقة ما بين الشأنين الإغاثي والسياسي..وقضايا
أخرى نجملها في الحوار التالي:
1-
قمتم بزيارة قطاع غزة العام الماضي ضمن قافلة
أميال من الابتسامات1
، وها انتم تقومون بزيارتها هذا العام ضمن قافلة اميال2..
كيف تصفون لنا واقع غزة بعد عام على زيارتكم لها.. وبالتحديد
الواقع الانساني فيها؟
في البداية أود ان أشير بأن قافلة أميال من
الابتسامات2 تأتي ضمن جهود رفع الحصار عن غزة، وليس المقصود
هنا هو تخفيف الحصار وإنما إعادة الحرية لغزة بعدما سلبها
إياها الاحتلال، وفيما يتعلق بالواقع الإنساني لغزة فالمأساة
لا تزال قائمة وكبيرة، في حين تتحدث الأرقام عن نسبة فقر
تتجاوز 80% ، وبالرغم من توفر مواد أساسية في القطاع إلا أن
القدرة الشرائية لأهالي القطاع متدنية إلى حد كبير، بينما يعيش
أغلبية أهالي غزة على المساعدات المقدمة من الأونروا.
ولا يزال الحصار يشكل كارثة لساكني القطاع حيث
الانقطاع المستمر للكهرباء التي تمثل شريان الحياة في عصرنا
الحالي، وأيضاً حركة السكان محدودة وتواصلهم مع العالم الخارجي
محدود وضمن شروط، وهذه الآثار للحصار وغيرها لا يزال يعيش
تداعياتها الناس، ما يؤكد بأن الحصار لا زال يترك أثارا كارثية
على الأهالي، فيما يكمن الحل فقط في رفع الحصار وإيجاد حل عادل
لقضية الشعب الفلسطيني ينهي الإحتلال ويعيد للفلسطينيين حقوقهم
المسلوبة.. فحصار غزة هو كارثة إنسانية سببها سياسي.
2-
هل هذا يعني بأن العام الذي مضى وكان يفصل بين
أميال من الابتسامات الأولى والثانية لم يطرأ فيه أي تحسن على
أوضاع القطاع الإنسانية؟
ربما على العكس من ذلك فأحوال الناس ازدادت
سوءً، فاستمرار الحصار لعام إضافي يؤثر بشكل كبير على إمكانيات
الناس، ويستنزف قدراتهم، وأهالي غزة يعيشون حالة تدهور مادي
ومعنوي، فالعامل النفسي له آثار جانبية شديدة الخطورة على
تفاصيل الحياة هناك، في حين أن العيش بأمن وسلام هو من أساسيات
الحياة للإنسان وفقاً لما جاء في قوله تعالى "والذي أطعمهم من
جوع وآمنهم من خوف"..بينما أهالي غزة يعيشون الخوف والقلق في
كل وقت فهم لا يعرفون ماذا يخبئ لهم المستقبل.
3-
اذا ما أردنا عقد مقارنة بين أميال من
الابتسامات الأولى والثانية، من حيث الإعداد، والتنسيق مع
الجهات المعنية في غزة، وحجم المساعدات، والتفاعل الجماهيري
واستقبال القافلة في غزة..فماذا تقولون؟
أنا اعتقد بأن استمرار القوافل هو أمر مهم جدا،
وأصبحت مطلباً ملحاً أيضا من عدة أطراف كأهالي غزة والجهات
الرسمية هناك ومؤسسات المجتمع المدني، والمؤسسات الانسانية
والدولية كالأونروا، وعلى الأقل فإن هذه القوافل تشعر الغزيين
بأن العالم لم ينساهم، ومن ضرب هذا الحصار أراد به عزل غزة عن
العالم وعزل العالم عنها، في وقت يعتبر فيه هذا الحصار الذي
دخل عامه الرابع كواحدة من الجرائم ضد الانسانية، وحول قافلتي
أميال من الابتسامات الأولى والثانية، فقد كان التنسيق في
كلتاهما مع الجهات المعنية في غزة يتم بشكل حثيث وعلى درجة
عالية من التنسيق، وبالنسبة للمساعدات فقد كانت أهميتها في
نوعيتها أكثر من كميتها، فما تم ادخاله من مستلزمات طبية
وأدوية مفقودة في القطاع ومعدات وحافلات للمعاقين، تمثل
أهميتها في حاجة القطاع الماسة لها جلها، ومن ناحية الاستقبال
الجماهيري ففي كلتا الحالتين كان حافلاً، لمسنا فيه دفء
الغزيين في ترحابهم، كما لمسنا لهفة المحتاج والمريض للدواء
والغذاء.
4-
كان هنالك تعاون من قبل السلطات المصرية في
أميال من الابتسامات2 ، على خلاف ما جرى في الأولى، إلى ماذا
تعزون السبب؟ وهل تتوقعون أن يستمر التعاون المصري معكم
مستقبلاً؟
في اعتقادي ان مصر في وضع لا تحسد عليه، لأن
حصار غزة هو واقع فرض عليها أيضا، ومن فرض الحصار حقيقة على
غزة هي إسرائيل والرباعية الدولية والولايات المتحدة، وبمشاركة
من الأمم المتحدة، وهم من يتحمل وزر هذا الحصار، بينما تظهر
مصر في الصورة وكأنها هي من يفرض الحصار أو يشارك فيه، إلا
أننا في ذات الوقت لا نخلي مسؤولية مصر عما يحدث، فبإمكانها
وهي الدولة العربية الكبرى صاحبة الدور المحوري الأبرز في
المنطقة ضمن اجراءات او ترتيبات معينة ان تجعل معبر رفح
مفتوحاً على الدوام.
وقد كان التعاون المصري موجوداً في قافلة أميال
الأولى، وقد كان هنالك موافقة مصرية مسبقة من وزارة الخارجية
المصرية، إلا أن التعقيدات والشروط التي فرضت لاحقاً حول وجوب
إيصال المساعدات إلى ميناء العريش أولاً ثم إلى غزة، وما رافقه
من اشتراطات هو ما أدى إلى تعطيل مسيرة القافلة ما يقرب 32
يوم، حيث فوجئنا حينها وبعد وصولنا إلى بورسعيد بأن هنالك
إجراءً جديداً لم يتم الاتفاق عليه بتوجه القافلة لميناء
العريش أو إلى مطارها، سعينا حينها لثني السلطات المصرية عن
هذا القرار وذلك للتكلفة العالية في شحن محتويات القافلة،
بالإضافة إلى ان ميناء العريش هو ميناء صغير وغير مؤهل
لاستيعاب أكثر من سفينتين في وقت واحد نظراً لصغر حجمه وطريقة
تصميمه.
كما كان هنالك اشتراطات تتعلق بأعداد المرافقين
للقافلة حيث لا يجب أن يتجاوز عددهم المئة، وأن أسماء
المشاركين يجب ان تسلم قبل أسبوعين من وصولهم إلى القاهرة حتى
يتم التدقيق الأمني على أسمائهم، وأيضا على محتويات القافلة
حيث تشترط مصر أن معبر رفح مخصص فقط لعبور الأفراد، والمساعدات
الانسانية وتحديداً الأدوية والمعدات الطبية وهو ما يعد شيء
بسيط مما يحتاجه قطاع غزة، وحتى اللحظة لا يسمح بدخول أي أنواع
أخرى من المساعدات كالأغذية وغيرها، التي يسمح بدخولها عبر
معبري كرم ابوسالم والعوجة بين اسرائيل وغزة، وهو ما تسبب في
منعنا من إيصال أية مساعدات غذائية كنا ننوي إدخالها للقطاع
ضمن القافلة، في حين أن ادخالها عبر معبري كرم أبوسالم والعوجة
سيجعلها تنتظر أياماً وأسابيع وشهور بسبب إجراءات الاحتلال ما
يعرضها للتلف، وفي أحيان كثيرة يتعمد الاحتلال إتلافها عبر
ابقائها لفترة طويلة تحت الشمس وتفتيشها لمرات عدة عن طريق
الكلاب البوليسية بعد نزع أغلفتها، وهذا ما ذكره سابقاً جون
جينغ مسؤول الأونروا في قطاع غزة.
وخلاصة لذلك نقول بأن التعاون المصري مشكور إلى
أننا نتمنى أن تكون هناك مرونة أكبر في فتح معبر رفح لإدخال
كميات وأصناف أكبر من المساعدات، مع التذكير بأن معبر رفح في
النهاية هو معبر فلسطيني مصري، وليس فلسطيني اسرائيلي.
5-
وجهة النظر المصرية تقول بأن هنالك اتفاقيات
التزمت بها ولا تزال مع اللجنة الرباعية والأوروبيين تتعلق
بإدارة معبر رفح ودخول المساعدات والأفراد منه وإليه، هل
تعتقدون أن مصر كان من الممكن أن تقوم بدور أفضل، في وقت هنالك
خشية من تعرضها لضغوط دولية إذا لم تلتزم بما عليها؟
نعم،
في اعتقادي أن مصر تستطيع ان تفعل شيئا، وقد قامت بالفعل بفتح
معبر رفح عقب مجزرة أسطول الحرية بصورة دائمة ويومية، وسمحت
بدخول أسرع وأيسر للقوافل والأفراد، وهناك جدولة من الجانب
المصري للقوافل القادمة مع كثرتها.
وباعتقادي فإن مصر إن أرادت ذلك فإنها تستطيع
أن تصنع واقعا جديداً، إلا أن الإجراءات المصرية في هذا الإطار
مرتبطة بأجندات سياسية تتعلق بالمصالحة الفلسطينية الفلسطينية،
ونحن نعم من الذي يعطل هذه المصالحة، وأقصد بهم بالطبع وبشكل
أساسي إسرائيل والولايات المتحدة، وهم من يهدد أبومازن والسلطة
الوطنية الفلسطينية، ويمارس عليه الضغوط لمنع التقارب بين
الأخوة في فتح وحماس، لأن ذلك لا يصب في مصلحتهم، على الرغم من
جدية المساعي التي تقوم بها مصر ويقوم بها الفلسطينيون أنفسهم،
وهذا ما يثبت فشل محاولات المصالحة السابقة كاتفاق مكة واليمن.
وفيما يتعلق بمعبر رفح فلا مبرر للإجراءات
المصرية بإغلاقه، ولم يكن هناك أي اتفاق بإغلاقه، وبإمكان مصر
ان تفتحه وفقاً للاتفاق السابق بإدارته مع الأوروبيين كما كان
سابقاً، وأن تكون ضوابط العبور ضمن السيادة المصرية والسيادة
الفلسطينية، ففي حين أن اسرائيل تقول بأنها انسحبت من قطاع غزة
فكيف تكون هناك أية اتفاقيات او تنسيق من أي نوع بينها وبين
مصر حول إجراءات التحكم في المعبر؟!، وهذا أمر لا يقبله عقل أو
ضمير، ولحل أية اشكاليات أمنية يمكن تطوير المعبر ليضمن سلامة
الحدود ويضمن سيادة الطرفين المصري والفلسطيني، ويتيح إدخال
كافة أصناف المساعدات الانسانية للقطاع.
6-
من خلال جولتكم بالقطاع، ما هي تقديراتكم لما
تحتاجه غزة؟
غزة
تحتاج لكل شيء، والاحتلال يمنع تقريباً كل شيء، فحتى "الكزبرة
والفاكهة" لا يزال الاحتلال يمنع دخولها للقطاع إلا ما
ندر..وإن من يقرأ واقع غزة اليوم يرى المنازل المهدمة، والتي
لم تعمر، وأهلها لا يزالون يعيشون في الخيام، والبنية التحتية
المدمرة والمتهالكة، وهذا يعني حاجة القطاع كبيرة، للغذاء
والدواء والمعونات الطبية ووسائل المواصلات، ومواد البناء،
والمواد الأولية التي تشغّل المصانع والتي دمر الكثير منها،
والمواد اللازمة لإعادة تأهيل الأراضي الزراعية التي جرف
مساحات واسعة منها.
وقد لفت انتباهنا عندما قمنا بزيارة عدد من
السجون كيف يتكدس السجناء في غرف صغيرة جدا، يصل عدد نزلائها
من السجناء في بعض الأحيان إلى ما يزيد عن الـ30 سجينا في
الغرفة الواحدة، وهذا ما يدلل على حاجة القطاع الماسة لإعادة
الإعمار وبناء وحدات سكنية جديدة، وإذا لم يتم ذلك قريبا، فإن
أهالي غزة سيلزمهم فترة زمنية طويلة قد تتجاوز العشر سنوات حتى
يعودوا إلى ما كانوا عليه قبل أربع سنوات، خاصة اذا ما علمنا
أن نسبة الزيادة السكانية في غزة كبيرة.
7-
نسمع ونتابع كل ما يصدر حول انهاء حصار غزة، هل
تلمسون هناك جدية على الارض في هذا الاتجاه، سواء على المستوى
الاوروبي او العربي؟
من
خلال عملي كعضو في اللجنة الدولية لكسر حصار غزة ونصرة فلسطين،
ونحن من جانبنا مصرون على كسر هذا الحصار، عبر تكثيف القوافل
البرية، والإعداد أيضا لقوافل بحرية جديدة، وهناك جدية في
إطلاق أسطول الحرية2 في شهر اكتوبر المقبل، وستكون بعدد أكبر
من السفن، بالإضافة لأعداد أكبر من المتضامنين المشاركين. كما
يتم الاعداد لشريان الحياة4 لتنطلق إلى مصر ومن ثم لغزة بعد
عيد الفطر المقبل. وهنالك أيضا تفكير جدي لمحاولة كسر الحصار
عبر الجو، حيث هنالك ترتيبات لشراء طائرات صغيرة تحلق بمدى
قصير، ويشارك فيها شخصيات معروفة ومرموقة لإثبات أن لغزة
ولفلسطين الحق في استخدام المعابر البرية والبحرية والجوية.
وأود التذكير في هذا الإطار بأنه فيما مضى كان هنالك شركة
طيران فلسطينية تجوب طائراتها العالم وتحط في مطاري رفح
والعريش المصريين.
وأيضا هنالك تفكير في إطلاق مظاهرات في المياه
الدولية، تهدف لجلب الآلاف من المشاركين من مختلف الجنسيات
ليتظاهروا ضد الحصار، قد لا يكون الهدف منها الوصول لغزة لنزع
اية ذريعة لدى اسرائيل للتعرض لهم، وقد تستمر هذه المظاهرات
لعدة أشهر، وبهذه الطريقة سيستمر الضغط على الاحتلال وبكثافة
حتى رفع الحصار.
وفيما يتعلق بالمجتمع الدولي فمن المؤكد بأنه
لا جدية لدى الدول التي تملك القرار في رفع الحصار عن غزة،
وهذا المجتمع الدولي إن أراد رفع الحصار فإنه قادر على ذلك،
وهذا ما لمسناه بعد ممارسته لبعض الضغوط على اسرائيل عقب مجزرة
اسطول الحرية ما جعله يرضخ ويقوم بتخفيف للحصار وإن كان جزئياً
وبسيطاً.
وهنا أقول إذا تراجعت الدول عن قرارها المطالب
بإنهاء الحصار وليس تخفيفه، فإننا كمنظمات انسانية سنستمر في
جهودنا للدفع باتجاه رفع الحصار عن غزة، وأيضا الحصار المفروض
على الضفة الغربية، فهي تعاني مأساة انسانية كذلك، فالاحتلال
لا زال موجودا، ويتحكم في دخول المواد الأساسية والأفراد إلى
أنحاء الضفة، ويتحكم بالتالي في اقتصاد الضفة وبتجارتها
المحدودة مع العالم الخارجي. كما أن ممارسات الاحتلال هناك لم
تتوقف من قتل واعتقالات وهدم للمنازل في الضفة والقدس،
واعتداءات المستوطنين، فضلا عن استمرار الإستيطان ومصادرة
الأراضي وبناء جدار الفصل العنصري.
ولذا أرى بأن الضفة تعيش أيضاً حصارا، إلا أن
حصار غزة وتداعياته قد سلّطت عليها الأضواء بشكل أكبر، وفي
اعتقادي فإن هذا الأمر مقصود ومتعمد من قبل الاحتلال، فالضفة
هي الخاصرة التي تؤلم الاحتلال، وهذا يفسر ما تتعرض له الضفة
أيضا من كافة أشكال الضغوط من سياسية واقتصادية وغيرها.
8-
يرى البعض بأن مجزرة أسطول الحرية قد أدخلت
حركة التضامن مع غزة من شكلها الانساني إلى الإطار السياسي،
ألا تخشون من الخوض في التعقيدات السياسية مع الدول صانعة
القرار وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية؟
برأيي
أن هنالك فرق بين قوافل الإغاثة وقوافل فك الحصار، فالأخيرة
كان هدفها سياسي كشريان الحياة، واسطول الحرية ..وغيرها،
فالحصار أتى بقرار سياسي وأية محاولة للوصول لغزة لا ينظر
إليها إلا كعمل سياسي، وما دام أي عمل سياسي يسير في سياقه
المشروع وضمن القانون الدولي، فلا يمكن لأحد أن يتهمه بغير
القانوني, والأهم في هذا الجانب أن يكون العمل قانونياً في كل
الأحوال سواء كان اغاثياً أم سياسياً، ونحن نؤكد دوماً بأن
معاناة الشعب الفلسطيني ومأساته الانسانية سببها القرارات
والممارسات السياسية الجائرة التي تتمحور كلها حول استمرار
الاحتلال، فإذا ما انتهى الاحتلال وأعيدت الحقوق لأصحابها
انتهت أية مشكلة، لذلك فإن قوافل كسر الحصار هدفها هو مقارعة
القرار السياسي الظالم الذي يكرس الاحتلال والحصار، وإن كانت
تجلب معها مساعدات انسانية ومواد إغاثية يحتاجها القطاع وهذا
أيضا قرار سياسي خاصة وأن اسرائيل تمنع وصول المواد الإساسية
لقطاع غزة.
وبالنسبة للقوافل الإغاثية فهي أيضا تقارع
الممارسات السياسية الإسرائيلية الجائرة، وهذا حقها، وإلا فكيف
يمكن إيصال المواد الاغاثية إلى شعب محتاج ومحاصر، يتم تجويعه،
ويموت مرضاه لعدم وجود الدواء وتمكنهم من العلاج؟!، فهنا ترتبط
الإغاثة بالعامل السياسي. وهنا تبرز هذه الإشكالية بين الشأنين
الإغاثي والسياسي، وما تحاول اسرائيل إظهاره للعالم بأنه عمل
سياسي، إلا انه في حقيقة أمره عمل إنساني وقانوني مشروع، وفي
المقابل ما تقوم به إسرائيل من ممارسات تعد غير قانونية
ويصنفها القانون الدولي كجرائم حرب.
9-
هذا يبرز إشكالية العلاقة بين الشأنين السياسي
والإغاثي، من حيث تداخلهما وتضاربهما في بعض الأحيان، ليس في
منطقتنا فحسب بل وعلى المستوى الدولي أيضاً، وفي إطار جدلية
هذه العلاقة..ألا تخشون من التضييق عليكم في الدول التي تقيمون
فيها؟
فيما
يخص عملنا الإغاثي والتحديات السياسية التي تواجهنا أثناء
أدائه، فنحن قبلنا بهذا التحدي، في سبيل استمرار عملنا
الانساني والأخلاقي والقانوني، ونحن هنا ننأى بأنفسنا عن أي
عمل غير قانوني، في حين أن ما يقوم به الاحتلال من سياسات يعد
مخالفة صريحة للقوانين الدولية والشرائع السماوية، ودورنا أن
نفضح هذه الممارسات الظالمة، نحن لا نخشى أن نصنف بأننا نقوم
بفرض أمر واقع جديد، فالإحتلال والحصار غير قانونيين، ومدانان
دولياً، ويجب أن يوجه اللوم والاتهام لمن يقوم بهذه الأعمال
غير القانونية وغير الانسانية، وسيأتي اليوم الذي يحاسب فيه
قادة إسرائيل في المحاكم الدولية كما انتهى الأمر بالقادة
النازيين من قبل، نعم..سينتهي كذلك بالنازيين الجدد في
إسرائيل.
10-
هل هناك قافلة اميال من الابتسامات ثالثة في
المستقبل؟
بالطبع
سيكون هنالك أميال من الابتسامات ثالثة ورابعة وخامسة طالما
استمر الحصار على غزة، وطالما استمر الاحتلال. فمشكلتنا مع
الاحتلال وحده، فهو من يجوع الشعب الفلسطيني ويؤدي به إلى
الحاجة والعوز، وما يعيشه الفلسطينيون لا يعود سببه للكوارث
الطبيعية كالفيضانات، والجفاف المسبب للمجاعات، بل أن الحاجة
والعوز سببه يكمن في استمرار الاحتلال.
وستستمر قوافل الاغاثة طالما استمرت هذه الحاجة
لدى الشعب الفلسطيني، كما نسعى إلى تطويرها وتنويعها, وزيادة
حجمها وامكانياتها.
11-
ربما واجهتم إشكالية في أميال الأولى والثانية
تتعلق بإجراءات الشحن والتعاقد مع الشركات المختصة في هذا
المجال..كيف سيتم التغلب على هذه المشكلة في القوافل المقبلة؟
نحن
نحاول دائما التغلب على أية مشكلة، والمشكلة المتعلقة بإجراءات
الشحن تعتبر اعتيادية وطبيعية، فأي عمل من هذا النوع ستواجهه
مشكلات، ولكن تضل الاشكالية الكبرى هي الحصار المفروض على غزة،
واشتراطات إدخال المساعدات والقوافل، والتي نتمنى ان تنتهي وأن
ينتهي بالتالي الحصار الظالم.
12-
من اللافت للنظر ان المشاركين بالقوافل يتبعون
ديانات وتوجهات مختلفة، كيف تمكنتم من التوفيق بين الاختلاف في
الديانات والتوجهات، وبين الهدف الذي تطمحون لتحقيقه من هذه
القوافل؟
المشاركون في القوافل اتفقوا على قضية انسانية
واحدة، والتي يتمثل فيها الإحسان، والاحسان هدفه إيصال
المساعدات لقطاع غزة، وليست قضيتنا هنا قضية دين، ونحن نرحب
بكل وجود انساني في قوافلنا، لا يعنينا الدين ولا الانتماء
السياسي ولا العرق ولا الجنس، والجميع يوحدهم الهدف وهو كسر
الحصار الظالم عن غزة، وإيصال المساعدات وإعادة الحياة لغزة.
وكان هنالك دوما حركة تضامن جماعية تؤمن بأن
القضية الفلسطينية ليست قضية صراع بين يهود ومسلمين، وانما
قضية محورها بأن هنالك احتلال وشعب يرزح تحت الاحتلال، بين
مجرم يرتكب الجرائم وبين برئ يقع ضحية لهذه الجرائم.
13-
نحن نعلم ان توحيد الجهود من شأنه ان يؤتي ثماراً
جيدة، لماذا لا يتم العمل على التنسيق والتشبيك بين جميع
الجهات لإطلاق حملة ضخمة وموحده في كل أرجاء العالم تنطلق بشكل
موحد باتجاه غزة؟
هنالك جهود موحدة تجسدت في اللجنة الدولية لكسر
حصار غزة ونصرة فلسطين، وهي تضم عدة منظمات، وتعقد اجتماعاتها
بشكل دوري، والتي كان آخرها ما تم قبل انطلاق أميال من
الابتسامات2 بأسبوعين، وهناك تنسيق تام بين هذه المنظمات.
وفي ذات الوقت نحن نريد أن تكون جهود كسر
الحصار غير مقتصرة على لجنة محددة أو منظمة بعينها، وأن تتحول
إلى حركة شعبية، يقوم بها الجميع من أفراد وجماعات، فلا نريد
السيطرة والهيمنة على مشاعر الناس، وانما نريد لهم أن يعبروا
بالطريقة التي يريدونها عن رفضهم للحصار، ولا نريد للجهود أن
تكون موحدة بشكل تام حتى يكون هنالك هامش لمشاركة الجميع.
14-
الحديث عن إنهاء الحصار يتطلب مواقف سياسية إلى
جانب الجهود الأهلية والشعبية، هل هناك حملات تنظمونها لحشد
الموقف السياسي عربيا وأوروبيا؟
باعتقادي فإن هذه الجهود والحملات قائمة،
فالقوافل هي إحدى ظواهرها، ومشاركة البرلمانيين الأوروبيين
وتحركاتهم على المستوى السياسي حين يعودون لبلادهم تؤكد على
ذلك، بالإضافة إلى ملاحقة قادة الاحتلال قضائياً لتقديمهم
للعدالة، ونحن نتحرك أيضا في كل الاتجاهات كالتواصل مع
الحكومات ورؤساء الدول ومع البرلمانيين، والمنظمات الانسانية
والحقوقية، وما تم من ملاحقة لعدد من قادة الاحتلال في عدد من
الدول الأوروبية قضائياً يعد ثمرة لهذا التواصل.
نحن نتحرك بشكل سياسي وقانوني وإغاثي، وأيضا في
مجال حقوق الانسان، وهذا كله عمل جماعي ومتواصل هدفه كسر
الحصار عن غزة.
15-
في إطار تنامي ظاهرة ما يعرف بالـ "اسلامفوبيا"
وقرب الجماعات الصهيونية وتغلغلها من دوائر صنع القرار في
أوروبا، وامتلاكها لوسائل إعلام واسعة الانتشار..كيف يؤثر ذلك
على تحركاتكم وعملكم على الساحة الأوروبية كناشطين، وكمنظمات
انسانية وخيرية داعمة لغزة وفلسطين؟
نحن نؤمن بأن هذا الصراع هو صراع بين الحق
والباطل، ونعتقد بأن الحرية هي حق للإنسان، وهذا يشمل كافة
أشكال الحريات كالتنقل وحرية الرأي والفكر، وحصول الانسان على
طعامه وشرابه ومسكنه وملبسه..الخ، وحرمانه منها هو أمر باطل
ومرفوض، ويجب مقاومة أية ممارسات تحرم الإنسان من حقوقه
الأساسية، وهذا الصراع لا يضيرنا بل يقوينا، وطالما أننا نقوم
بعملنا في إطار قانوني، والأهم هو عدم ارتكاب أية مخالفة
قانونية، بالتالي فإننا نبقى في موقع القوة، ويجب مواجهة الخصم
بقوة أكبر من التي يهاجم بها ولكن في إطارها القانوني طبعا..
يقول تبارك وتعالى في كتابه العزيز "اصبروا
وصابرو"، حيث أن المصابرة هنا تغلب الصبر، وأيضا قوله "واتقوا
الله" ..وتعني هنا العمل ضمن ما يحدده الشرع، سواء كان سماوياً
أو قانونياً، وهذا يجعل الخصم في حيرة من أمره، وقد تدفعه
لارتكاب الجرم، وهذا ما حدث مع اسطول الحرية، حيث أن الاسطول
كان عملا قانونيا وحركة تضامنية كانت قانونية ومشروعة إلا ان
الاحتلال هو من ارتكب العمل الإجرامي وتجاوز كل القوانين
والأعراف، وفي النهاية انتصرت إرادة الحرية حيث عادت سفن
الأسطول إلى موطنها في تركيا، ودخلت المساعدات التي كانت
تحملها للقطاع، وعاد المعتقلون والجرحى من المتضامنين إلى
بلادهم، ولجنة التحقيق الدولية في المجزرة تقوم بدورها، ونحن
نقف إلى جانب تركيا في سبيل تحقيق العدالة.
16-
البعض يرى ان قوافل المساعدات هي جزء من تدعيم
الإدارة السياسية في غزة والتي تمثل حركة حماس، كيف تردون على
مثل هذه الآراء ؟
حماس هي حركة سياسية فلسطينية مستقلة، وهي
حركة انتخبت من قبل الشعب الفلسطيني بنسبة تصويت كبيرة، وعلى
الرغم من ذلك فإن القوافل الإغاثية ليس من أهدافها دعم أي طرف
سياسي سواء كان يحظى بالشرعية أم لا، والحصار مفروض ليس فقط
على حماس في غزة، وإنما على الفلسطينيين في غزة، وكل ألوان
الطيف السياسي الفلسطيني من حماس وفتح وجبهة شعبية
وديمقراطية..الخ، بالتالي قضية دعمنا لأي طرف سياسي هي ادعاءات
غير صحيحة، وانما تهدف هذه القوافل لمناصرة الشعب الفلسطيني
بكل مكوناته وتوجهاته ومعتقداته.
وقد وجهت إلينا في السابق التهم ذاتها في دعمنا
للرئيس الراحل ياسر عرفات، ودعم السلطة الفلسطينية التي كانت
متهمة بتمويل الإرهاب، وحتى يومنا هذا لا تزال توجه للسلطة
اتهامات بتمويل الارهاب، كما هو الحال بالنسبة لباقي الحركات
السياسية المتهمة بدعم الإرهاب كحماس، والجبهة الشعبية التي
يرزح أمينها العام أحمد سعدات في المعتقل..وغيرها من الفصائل.
ونحن سنبقى إلى جانب الشعب الفلسطيني في حقه
السيادي في وطنه، وبحقه في حياة حرة كريمة، ومن حقنا أن نقف
إلى جانب المحتاجين من الشعب الفلسطيني.
17-
كيف تقيمون دور قوافل كسر الحصار على غزة في
مساعدة المحاصرين، وكيف يمكن حث الطاقات بهدف التكثيف منها
واستنهاض الهمم لتقديم المزيد من الدعم؟
اؤكد
دائما بأنه طالما هنالك احتلال وحصار فمن واجب كل ضمير حي أن
يبذل ما يستطيع، ونحن مكلفون بأن نقوم بما نستطيع، وباعتقادي
هذه القوافل ناجحة وقامت بالدور المطلوب، وعددها في تصاعد،
فأولى قوافل الحرية كانت بقاربين صغيرين، ثم تطورت هذه القوافل
وازدادت عددا، وانتهت بأسطول الحرية الذي ضم ست سفن كبيرة،
والقوافل البرية ايضاً ازدادت كماً ونوعاً، وهذا يعني بأن
الجهود والطاقات تزداد وتتضاعف في سبيل كسر الحصار الجائر على
غزة.
18-
صف لنا صورة علقت في ذهنك اثناء زيارتك لغزة؟
ربما
في بادئ الأمر أكثر ما علق في الذهن هو هذا الحشد من
المتضامنين الذين شاركونا من بقاع الأرض المختلفة، وأيضا
مشاركة عدد من الأخوة الأتراك الذين كانوا على متن اسطول
الحرية من قبل، ومنهم من كان جريحاً وجراحه لم تلتئم بعد، حيث
أصروا على التوجه إلى غزة، ومكابدة عناء السفر بالرغم من
جراحهم، فهذه الصورة لا يمكن أن تبارح الذاكرة.
وأيضا صورة تلك الروح التي تمثلت في المتضامنين
من تعاون وإيثار حيث الجميع يتقدم لخدمة الآخر، وجميعهم
يتسابقون لخدمة أهداف القافلة وتسهيل مسيرها، والدخول لغزة
والإلتقاء بأهلها.
وأيضا حفاوة الاستقبال من قبل أهل غزة، ومن
وسائل الإعلام للقافلة والمشاركين فيها..كل تلك هي صور ستعيش
في الذاكرة، وتكون وقوداً يحركنا ويعطينا دفعاً لعمل المزيد في
المستقبل، ولم نكن لنودع أهل غزة بل كنا نقول لهم حين مغادرتنا
"إلى لقاء".
ولن ننسى في الوقت ذاته بأن أقبح صورة ربما لن
تمحى من الذاكرة وهي صورة الإحتلال البشع، والحصار الظالم وما
تركه من فقر وعوز وموت سببه الافتقار إلى العلاج والتداوي،
ولعل سوداويتها ستظل في الأذهان.
وفي النهاية أوجه كلمتي لأصحاب الضمائر الحية
بضرورة التواصل مع المظلومين في غزة، وضرورة أن تكون إرادة
الشرفاء والمدافعين عن الحق أقوى من هذا الحصار، فالشعب
الفلسطيني له الحق في وطن مستقل، ودولة لها مؤسساتها المدنية،
ومن حقه أن يعيش حراً كريماً على أرضه.